قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله، وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) .
المعنى: لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، أو لا يصح ولا يستقيم ولا يليق به أن يقتل مؤمنا ابتداء - والاستثناء هنا منقطع - ومعنى"إلا"لكن - وتقدير الجملة كما ذهب سيبويه وغيره هو: ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة، لكن إن قتله خطأ فعليه كذا وكذا 128.
وقال صاحب الكشاف: والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما أو يرمي شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم.
وقوله: (وما كان) لا يفيد النفي، بل يفيد التحريم والنهي - ولو كان في ذلك نفي لانتفى بذلك حدوث القتل العمد مع أن ذلك حاصل وموجود - وضروب الخطأ كثيرة مردّها جميعا إلى عدم القصد - ومن جملة الخطأ أن يعمد المسلم إلى رمي المشركين ثم يصيب مسلما فيقتله، أو أن يقصد بالرمي غرضا من الأغراض فيصيب مسلما، أو أن يحمل على مستحق القتل فيرمي غيره وهو يظن أنه المستحق للقتل - ومثال ذلك كثير - والمعلوم أن المسلم مصون الدم إلا بإحدى ثلاث كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن النبي (ص) قال:"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة"حتى إنه ليس لأحد من الناس أن يحمل على واحد من هؤلاء الثلاثة ليقتله، بل إن ذلك من شأن الدولة المسلمة فهي التي قد نيط بها تنفيذ العقوبات سواء في ذلك القصاص أو الحدود أو التعزير - وإذا كان لكل فرد أن يتصرف مندفعا ليقتل من يستحق القتل آل الأمر إلى فوضى وتسيّب.
وقتل المؤمن خطأ يجب فيه تحرير رقبة مؤمنة ثم الدية التي يتسلمها أهله - أما الرقبة فهي العبد فإنه إذا تحرر فهو كأنما تنبعث فيه الحياة المتحركة بعد موات وركود ناشئين عن مهانة العبودية أو هو بمثابة انعتاق لإنسان مؤمن لينتشر في الأرض حرا نشطا بعد استرقاق - ولا جرم أن يتضمن هذا الإعتاق تلافيا لنكسة يمنى بها المجتمع نتيجة لموت امرئ مؤمن وافتقاده من على وجه الأرض وفي ذلك من الخسارة على الأمة الإسلامية ما يوجب سدا لهذه الثغرة بتشريع الإعتاق وهو على سبيل الجبر لما حل به من كسر - وشرط الرقبة أن تكون مؤمنة، إذ لا يجزئ الكافر وهو ظاهر الآية - أما أوصاف الرقبة وشروطها من أجل أن تجزئ وذلك من حيث الصغر والكبر أو من حيث السلامة والعيوب وغير ذلك فإن ذلك موضع خلاف العلماء.
والإعتاق فيه التطهير للقاتل عما اقترفه من تقصير قد أدّى إلى هلاك امرئ مسلم وكان عليه أن يحتاط ويأخذ زمام الحرص كيلا يقع في خطورة القتل لكنه قد ترك الحرص والحر وأهمل الاحتياط والتنبيه الذي ينبغي أن يسبق القتل فقتل فلزمه بذلك أن يضطلع بالعتق جزاء بما فرّط وجبرا لما أحدث من زوال لكائن مسلم يعبد الله ويدين له في خضوع واستسلام.