قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما) - جاء في سبب نزول هذه الآية عن زيد بن ثابت قوله: كنت إلى جنب رسول الله (ص) فعشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله (ص) على فخدي فما وجدت ثقل شيء أثقل من فخذ رسول الله (ص) ثم سري عنه فقال:"اكتب"فكتبت في كتف [عظم عريض] (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله) إلى آخر الآية - فقال ابن أم مكتوم -وكان رجلا أعمى- لما سمع فضيلة المجاهدين: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله (ص) السكينة فوقعت فخذه على فخذي ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى ثم سرّي عن رسول الله (ص) فقال:"اقرأ يا زيد"فقرأت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) فقال رسول الله (ص) :"غير أولي الضرر"قال زيد فأنزلها الله وحدها فألحقتها والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف 140.
وأخرج البخاري عن ابن عباس في معنى الآية أنه لا يستوي القاعدون عن بدر والخارجون منها وأيا ما يكون السبب فإن المقصود واضح وجليّ وهو نفي المساواة فيما بين القاعدين الممسكين عن الجهاد إلا أن يكونوا ذوي أعذار قاهرة وهم أولو الضرر، والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم - إن هذين الصنفين من الناس لا يستويان في المرتبة ولا في الأجر ولا في الاعتبار باستثناء فريق خاص من ذوي الزمانة كالعمى والمرض والعرج ونحو ذلك فإن هؤلاء معذورون - لكن غيرهم من الأصحّاء الأسوياء ليس لهم في ميزان الله اعتبار ومرتبة إلا بقدر ما قدّموا من طيبات - وفي ضوء ذلك لا يتفاوت الناس من حيث أقدراهم على نحو ما تبتدعه المجتمعات في أعرافها وموازينها الضالة وهي أعراف وموازين مشدودة نحو الأرض بحبل ثقيل صفيق من الهوى والشهوات - وذلك مبعثه فساد في العقيدة والتصور بما يميل بالإنسان عن كل قيم المروءة والخير والفضيلة لتتجه العزائم والهمم بعد ذلك وجهة تقوم على الهدى وإيثار الذات من أول يوم وحتى النهاية.
قوله: (غير أولي الضرر) وهم العاجزون من ذوي المعاذير كالعمى وغيره بما لا يقوى معه المتضرر من الاضطلاع بعبء الجهاد حيث العناء والشدّة والهول، والرفع في (غير) على النعتية للقاعيدن - وسياق العبارة على هذا هو: لا يستوي القاعدون غير أولي الضرر - وقرأها بعض أهل اللسان مجرورة باعتبارها نعتا للمؤمنين فيكون سياق العبارة هو: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر - وفي قراءة أخرى على النصب وذلك من باب الاستثناء من القاعدين أو المؤمنين - فتكون العبارة بهذا التقدير على النحو التالي: لا يستوي القاعدون من المؤمنين إلا أولي الضرر 141.
وفي الآية برهان على استنباط يثير الاهتمام والنظر وهو الاستواء في المرتبة والأجر بين من يمضي للغزو والمعركة مجاهدا بنفسه وماله وهو معافى من المرض ومن يتخلف عن شرف الجهاد لا عن تقاعس أو خذلان ولكن حبسه العذر القاهر الذي يبيت معه المرء عاجزا عن التماسك والاحتمال في مثل هذا الموقف الصعب الذي يستلزم القوة والمعافاة في البدن.
إن هذين الصنفين متساويان في الأجر والرتبة وتلك منّة وفضل من الله حقا واحتواء متّسع كريم لذوي المعاذير ممن خلصت فيهم النوايا فكانوا مع الله في شرعه ودينه طائعين مخلصين أبرارا.