أما حكم القصر فهو سنّة عند جمهور السلف والخلف من الفقهاء فيكون القصر على هذا الأساس مستحبا لا مفروضا - ونقل عن الإمام مالك بأنه فرض، وذهب عامة أصحابه إلى أن المفروض هو التخفيف، فالمسافر مخيّر بين الإتمام والقصر، وذلك (التخيير) هو المفروض وهو الراجح في المذاهب.
ولدى التحقيق في أقوال الأئمة وأهل العلم يتبين أن قصر الصلاة أمر مسنون وخلاف ذلك يعتبر مخالفة للسنة - وقد روي عن الشافعي قوله: من صلّى أربعا فلا شيء عليه ولا أحب لأحد أن يتم في السفر رغبة عن السنة.
وسئل أحمد بن حنبل عن الرجل يصلّي في السّفر أربعا قال: لا، ما يعجبني، السنّة ركعتان - وسأل رجل عبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر - فقال عبد الله بن عمر: إن الله بعث إلينا محمدا (ص) ولا نعلم شيئا فإنا نفعل كما رأيناه يفعل.
أما حد المسافة التي يقطعها المسافر ليتسنى له القصور فذلك موضع خلاف العلماء - فقد ذكر أصحاب المذهب الظاهري إلى جواز القصر في كل سفر سواء كان طويلا أو قصيرا استنادا إلى ظاهر النص القرآني هنا - وذهب مالك والشافعي وأحمد وآخرون إلى تحديده، بيوم واحد وعوّلوا في ذلك على حصول المشقة غالبا وهي تحصل من السفر يوما تاما والاستناد في ذلك إلى الحديث:"لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها".
وذهب أبو حنيفة إلى تحديده بثلاثة أيام ولياليها سيرا على الأقدام، وهو قول عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وحذيفة، واستدلوا في ذلك بما أخرجه البخاري عن ابن عمر أن النبي (ص) قال:"لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم".
وثمة قول آخر في تحديد السفر لإباحة القصر وهو يومان وهو قول الحسن البصري والزهري استدلالا بما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي (ص) أنه قال:"لا تسافر المرأة مسيرة ليلتين إلا مع زوج أو ذي محرم"146.
أما صفة السفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة فذلك موضع خلاف العلماء أيضا على أن الإجماع حاصل فيما يتعلق بالسفر الذي تتحصل به الفرائض أو الواجبات أو السنن وذلك كالحج والجهاد والعمرة وصلة الأرحام وغير ذلك من وجوه السفر المأمور به، فقصر الصلاة في ذلك جائز.
أما السفر الذي يتحصّل فيه المباح كالتجارة والنزهة والصيد والنكاح ونحو ذلك فقد ذهب جمهور العلماء إلى جواز قصر الصلاة فيه - ومرتبة القول بذلك هي دون الإجماع إذ هي قول الجمهور وقد روي عن عبد الله بن مسعود قوله بعدم قصر الصلاة إلا في سفر يتحقق به واجب كالحج أو الجهاد.
وإن كان السفر في معصية كالباغي وقاطع الطريق ونظارهما من المفسدين في الأرض، فقد ذهب الجمهور إلى عدم القصر في مثل ذلك؛ لأنه سفر معصية.
وخالف أبو حنيفة في ذلك وهو أن القصر في جميع ضروب السفر جائز يستوي في ذلك أن يكون السفر في طاعة أو معصية استنادا إلى عموم الآية.
على أن الراجح هو قول الجمهور بجواز القصر في السفر المباح فضلا عن جوازه حين أداء الفريضة - ومناط ذلك أن المقصود بشرعية القصر هو التخفيف عن المسافر إذا حصل له مشقة، وهي حاصلة في غالب الأسفار - ومن المعلوم في الدين نفي العسر والحرج في عامة الأحوال لقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) .
أما السفر في المعصية فالراجح أنه لا قصر فيه؛ لأن القول بالقصر طريق إلى المحظور وعون للمسافر العاصي على المعصية وهو سبحانه يقول: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) 147.