وفي السورة بيان بفضل الله ومنته على بني إسرائيل إذ جعل أكثر النبيين فيهم، وجعل فيهم ملوكا أولي قدرة وسلطان عظيمين - وإذاك أمرهم نبيهم موسى بتكليف من الله أن يقاتلوا العمالقة الذين كانوا مستحوذين على بيت المقدس، لكنهم نكلوا عن الجهاد خورا وجبنا، فعاقبهم الله بالضلال في أٍرض التيه أربعين عاما، يسيرون من غير أن يهتدوا للخروج، فظلوا على هذه الحال من الحيرة والضياع حتى فني هذا الجيل ثم جيء بجيل آخر يقوده يوشع بن نون الذي دخل ببني إسرائيل الأرض المقدسة بعد أن من الله عليهم في التيه بالمن والسلوى وانبجاس الماء من الصخر والتظليل بالغمام - ولما دخلوا بيت المقدس قالوا فارهين بطرين وهم يزحفون على أستاههم: حبة في شعرة، وذلك في غاية من البطر وسماجة الطبع بدلا من قولهم: حطة، كما أمرهم نبيهم يوشع عليه السلام.
وفي السورة هذا النبأ المثير - النبأ الذي يكشف عن فظاعة الحسد وهو يجد قراره في النفس البشرية ليحرضها على اكتساب الأهوال والموبقات بغيا بغير حق - إنه الحسد الأثيم الأسود الذي يركب النفس البشرية عامة ليسومها القض والاستنفار فتستمرئ الإيذاء والإضرار وفعل المناهي والمحظورات - إنه الحسد الفاضح الخسيس الذي لا ينجو منه بنو آدم غير أولي العزائم من الناس أو المبرئين من هذا الدرن الوبيل، وقليل ما هم - يستبين ذلك من قصة ابني آدم وهما أخوان يجترئ أحدهما على قتل آخيه الأخر بغيا وحسدا.
وفي السورة تحذير شديد من اتخاذ أهل الكتاب أولياء، وإنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض - فما ينبغي للمسلمين أن يوالوا الكافرين ليتخذوا منهم الحلفاء أو الأصدقاء أو الأخلاء - ولئن فعلوا ذلك فلسوف يجدون أنفسهم ينسلخون من ربقة الإسلام رويدا رويدا، وهو ما يخطط له المشركون والظالمون من اليهود والنصارى - وتلكم هي الفاقرة القاصمة التي يسقط فيها المسلمون إذا هم مالأوا الكافرين على حساب الإسلام والمسلمين.
وفي السورة بيان أحكام اليمين من حيث ضروبه، وأولها يمين اللغو ثم اليمين المنعقدة وهي التي تجب فيها الكفارة عقيب الحنث - ثم اليمين الفاجرة الغموس التي يكتسبها الخاطئ كذبا متعمدا - وبيان ذلك كله في موضعه لدى التفصيل إن شاء الله.
وفي السورة نهي قاطع عن جملة محظورات، وهي الخمر والميسر الأنصاب والأزلام، فإن ذلك كله إثم وهو شر من شرور الشيطان - والشيطان كائن جني ماكر وخبيث يعمل الليل والنهار لا يفتر من أجل الوقيعة بين المسلمين ولإركاز بذور الخصام والنزاع بينهم بسبب الخمرة التي تمس العقول فتضعفها إضعافا، وكذلك الميسر الذي يثير في نفوس المتقامرين الكراهية والنزاع.
وفي السورة تنديد بواحد من مخلفات الجاهلية الضالة - وقد تجلى ذلك في تصور شنيع فاسد - تصور قائم على الإشراك الظالم والوثنية السخيفة العمياء - وذلك فيما سمي من الأنعام لدى الجاهليين بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي - وتلك أسماء أطلقها المشركون على بعض الأنعام لتكون من حظ الآلهة، فلا يسري عليها شيء من تصرف معروف كالبيع أو الحمل أو الذبح.
وفي السورة أيضا ذكر لبعض المعجزات مما أوتي عيسى عليه السلام كتكلمه وهو في المهد ونفخه فيما يشبه الطير من الطين ليصبح طيرا حقيقيا - وكذلك إبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى، كل ذلك فإذن الله - وأخيرا دعاؤه ربه أن ينزل على بني إسرائيل مائدة من السماء ليروها ويأكلوا منها لعلهم يؤمنون - وقد أنزلها الله عليهم في الراجح - والله تعالى أعلم.