فهرس الكتاب
ثمة خلاف في سبب نزول هذه الآية - لكن الراجح والأقوى والذي عليه الجمهور هو ما رواه أئمة الحديث عن أنس بن مالك أن قوما من عكل - أو من عرينة - قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتروا 72 المدينة، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا - فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم فما ارتفع النهار حتى جيئ بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر 73 أعينهم وألقوا في الحرة 74 يستسقون فلا يسقون"فأنزل الله الآية في هذا الصنف من الناس الذي يعيث في الأرض فسادا وتخريبا فيثير بين الناس الرعب والفوضى، ويبدد في المجتمع ظواهر الأمن والاستقرار فيعيش المسلمون في وجل وهلع - من أجل ذلك شدد الإسلام في التنديد بهؤلاء الفاسقين المفسدين وشرع في حقهم من العقوبة الزاجرة الرادعة ما يكافئ جنايتهم النكراء - على أن محاربة الله ورسوله يراد بها محاربة أهل شريعته وملته من المسلمين - فإن محاربة المسلمين في حكم محاربة الله ورسوله - سواء كان ذلك في عصر النبوة أو غيرها من الأعصار."
والكلام في ذلك عن الحرابة، وهي إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر، أو داخله على الخلاف فيمن يستحق اسم المحاربة - فقد ذهبت المالكية والشافعية إلى أن الحرابة إشهار داخل المصر أو خارجه - فهما من حيث وجوب الحد سواء - استنادا إلى عموم الآية وعلى هذا فإن المحارب من حمل على الناس السلاح في المصر أو في البرية وكابرهم على أنفسهم وأموالهم من غير عداوة أو ثأر.
واشتراط الشافعي في ذلك حصول الشوكة - ومعناها عنده قوة المغالبة - فهو بذلك يشترط البعد عن العمران، لأن المغالبة إنما تتأتى بالبعد عن العمران - وعند الإمام أبي حنيفة وآخرين أن المحاربة لا تكون إلا خارج المصر حيث الخوف وقلة النصرة والبعد عن السلطان 75.
واختلف الفقهاء وأهل العلم فيما يجب على المحارب من القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض - فهل هذه العقوبات على التخيير فيكون الإمام مخيرا في إيقاع العقاب الذي يجده زاجرا أم أن هذه العقوبات مرتبة على قدر الجنايات تبعا للاختلاف في معنى قوله: {أو} - فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى أن {أو} هنا للتخيير - وهو قول ابن عباس في رواية عنه - وقال به الحسن البصري وسعيد بن المسيب ومجاهد - فيكون المعنى بذلك أن الإمام إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل، وإن شاء نفى - فأيما واحد من هاتيك العقوبات شاء الإمام فعل - وهو مذهب الإمام مالك - وقال به عمر بن عبد العزيز - وآخرون، إذ قالوا كلهم: الإمام مخير في الحكم على المحاربين - فهو يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية - قال ابن عباس: ما كان في القرآن {أو} فصاحبه بالخيار.
وذهب آخرون إلى أن {أو} لبيان أن هذه العقوبات تختلف باختلاف الجنايات وهي رواية عن ابن عباس - وعلى هذا فمن اقتصر على القتل قتل - ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب - ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف - ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض - وهو قول أكثر العلماء - وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وحمد - واحتجوا بما ذكره الطبري عن أنس بن مالك أنه قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن الحكم في المحراب فقال:"من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ ورجله للإخافة، ومن قتل فاقتله، ومن جمع ذلك فاصلبه".