فهرس الكتاب

الصفحة 664 من 2536

نزلت هذه الآية في أهل الردة - وهذا من إعجاز القرآن، إذ أخبر عن ارتداد العرب عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم - فكان ما أخبره به الله في قرآنه قبل وقوعه - فقد ورد في السيرة عن ابن إسحق قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمت به مصيبة المسلمين - فكانت عائشة، فيما بلغني تقول: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم، حتى جمعهم الله على أبي بكر - وفيما ذكر أيضا أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الإسلام حتى خافهم عتاب بن أسيد (والي مكة حينئذ) فتوارى - فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه - فتراجع الناس وكفوا عما هموا به، وظهر عتاب بن أسيد - فهذا المقام الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر بن الخطاب: إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه 139.

يتبين من مثل هذه القصة وغيرها من الأشباه والنظائر أن هذا القرآن معجز وأنه من عند الله وأن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه ليكون للناس بشيرا ونذيرا.

قوله: {من يرتد منكم عن دينه} أصل يرتد يرتدد: بدالين - ويرتد بدال واحدة مشددة للإدغام.

وتأويل الآية يحتمل وجهين:

الأول: وهو تحذير المؤمنين من تولي المشركين ومناصرتهم في محاربة المسلمين.

فإن موالاة الكافرين ومعاضدتهم وذل العون والنصرة لهم لحرب المسلمين ليس إلا الردة التي ينسلخ بها المنافق من ربقة الإسلام ليكون في عداد الكافرين الذين تحل دماؤهم، وليعلم هؤلاء أن الله سيأتي بأقوام آخرين ينصرون دينه.

الوجه الثاني: الكشف عن علم الله بأن قوما من المسلين سيرجعون عن الإسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرهم الله أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه، وعلى هذا الوجه فإن الآية إخبار عن غيب مستور، وقد وقع ما أخبرت الآية به - وذلك وجه من وجوه الإعجاز في الكتاب الحكيم - وهذا مقتضى قوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} ومحبة الله لعباده المؤمنين إنما هي على الكيفية والمعنى اللذين أرادهما الله - ومن ظواهر محبة الله للعباد أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويجزيهم بفيض الرضا والثناء - وأما محبة العباد لربهم فهو أن تميل قلوبهم ومشاعرهم إلى الله بما يشير إلى كامل التوجه إليه وصادق الإخلاص له وحده جل شأنه - وهو ما يقتضي منهم طاعة ربهم وابتغاء رضوانه ومجانبة زواجره ونواهيه.

قوله: {أذلة على المؤمنين} أذلة صفة لقوم - وهو جمع ذليل وليس ذلولا فجمعه ذلل - وليس المراد من كونهم أذلة أنهم مهانون يجدون في أنفسهم استخذاء وزراية - بل إن المراد المبالغة في وصفهم بالرفق والهوادة ولين الجانب - وذلك هو خلق المسلمين الحقيقيين فيما بينهم - فهم لا جرم أخوة متوادون متراحمون يعامل بعضهم بعضا بالتسامح والرأفة وفي غاية التواضع والرحمة.

قوله: {أعزة على الكفرين} أي أشداء في مواجهتهم متغلبون عليهم - من قوله عزّه أي غلبه - والمسلمون في ذلك يجدون في أنفسهم الإحساس بالعزة والاستعلاء لما تحفل به أذهانهم وتصوراتهم من مطلق القناعة الكاملة بروعة الإسلام وكماله وصلوحه - فهم بذلك على الحق ويدعون الناس إلى الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت