روي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء وكانا نصرانيين فمات السهمي وكان مسلمًا بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاما (230) من فضة مخوصًا بالذهب - فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم - ووجدوا الجام بمكة - فقيل: اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم - وفيهم نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الآية (231) .
قوله: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ} شهادة، مبتدأ، وخبره اثنان - والتقدير: شهادة بينكم شهادة اثنين (232) وشهادة بينكم أصلها: شهادة ما بينكم، فحذف ما وأضيفت إلى الظرف - وتأتي الشهادة على عدة معانٍ منها: العلم والحلف والحضور (233) وكذا الوصية - والمختار أن الشهادة هنا المؤداة من الشهود.
وقوله: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ} إذا في موضع نصب ظرف للشهادة والمراد إذا قارب الحضور؛ لأن الميت لا يمكنه الإشهاد - وحين الوصية بدل من الظرف"إذا"وقوله: {اثْنَانِ} أي فيما فرض عليكم أن يشهد {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} فيكون المعنى: ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت وقت الوصية، شاهدان اثنان عدلان ذوا عقل ورشد منكم، أي من المسلمين على وصية الموصي المحتضر.
هذا إذا اعتبرنا صفة الاثنين وماهيتهما على أنهما شاهدان يشهدان على وصية الموصي وقيل: هما وصيان - والأول المختار.
قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} معطوف على {اثْنَانِ} - أي شاهدان عدلان آخران من غير المسلمين من أهل الكتاب - وقيل: من غير الأقربين، أي الأباعد - والأول الراجح؛ لأن الخطاب موجه لأهل الإيمان وهم المسلمون وليس لذوي القرابة - فإذا لم يكن مع الموصي عند احتضاره من يشهد على وصيته من المسلمين فليشهد له رجلان من غير المسلمين من أهل الكتاب.
والإشكال هنا في شهادة غير المسلمين على المسلمين، بعد أن تبين وجوب الشهادة من اثنين عدلين من المسلمين على وصية الموصي الذي تحضره الوفاة، وذلك في الحضر - أما في السفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن مع الموصي حينئذٍ أحد من المسلمين فعليه أن يشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر - فإذا أديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما لم يكذبا ولم يبدلا ولم يكتما وأن ما شهدا به حق، فيحكم بشهادتهما.
على أن تحليفهما هو مقتضى قوله: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} أي شككتم في شهادتهما واتهمتموهما - وإن استبان بعد ذلك أنهما كذبا وخانا في شهادتهما حلف رجلان آخران من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان الكاذبان - وهذا قول كثير من أهل العلم من السلف والخلف - وعلى هذا قالوا: شهادة أهل الذمة على المسلمين جائزة في السفر فقط إذا لم يكن ثمة مسلمون - فقد نزلت هذه الآية وليس من مسلم إلا في المدينة، وكانوا يسافرون بالتجارة ومعهم بعض أهل الكتاب وعبدة الأوثان.
وقيل عن قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} إنه منسوخ - وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم من الفقهاء - والمختار جواز الشهادة من أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة - وذلك للضرورة إذا لم يكن ثمة مسلم، ومع وجود مسلم لا يجوز - ويقوي ذلك قول ابن عباس عن سورة المائدة: إنه لا منسوخ فيها.