فهرس الكتاب

الصفحة 783 من 2536

الكاف في اسم الإشارة، في محل نصب نعت لمصدر مؤكد لما بعده - أي مثل ذلك الجعل جعلنا لك أعداء - شياطين، منصوب على البدل من قوله: {عدوا} وقيل: منصوب على أنه مفعول ثان للفعل جعلنا - وغرورا منصوب على المصدر في موضع الحال - وقيل: منصوب على البدل من قوله: {زخرف} وقيل: منصوب، لأنه مفعول لأجله - أي لغروره 136 - هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يشاهده من عداوة قريش وما افتروه من الأقاويل والأباطيل وما كادوه للإسلام ونبيه.

قوله: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن} وشياطين الإنس والجن، هم العتاة المردة من النوعين - وهم الذين يحفزون الناس ليجنحوا عن صراط الله، ويسولون لهم الجحود والعصيان والتمرد على الله بكل صور العصيان والتمرد - لا جرم أن شياطين الإنسان والجن خلف كل الخطايا التي يقرفها بنو البشر في هذه الأرض - وهم وراء كل ظواهر الكفر أو الفسق أو الإلحاد الذي سقط فيه الأشقياء والتعساء من بني آدم - أما شياطين الجن فهم صنف من الخليقة غير منظورة ولا محسة، ترى من حولها من حيث لا يراها الناس - وليس لها من وظيفة ولا شاغل إلا إفساد الإنسان بكل ظواهر الإيحاء من إغراء وإغواء، أو ترغيب وترهيب - وغير ذلك من الأساليب النفسية والباطنية التي يتدسس من خلالها الشيطان العاتي إلى العميق من دخائل الإنسان لينفره من فعل الخيرات، ويسول له فعل المعاصي والمنكرات، فضلا عن تحريضه على السقوط في جحيم الباطل بكل ضروبه من كفر وإلحاد وإيذاء للمسلمين وكيد للإسلام.

أما شياطين البشر فهم صنف آخر من الجنس المنظور من ذرية آدم - وهؤلاء مغايرون لشياطين الجن، في أمر أساسي واحد - وهو أن الأولين مخلوقون أشقياء في الأصل - فهم قد فطروا على الكفر والتمرد والرغبة اللحاحة في الإفساد منذ جيئتهم إلى هذه الدنيا - لكن الآخرين - وهم شياطين البشر- لم يخلقوا كافرين ولا عتاة فاسقين، لكنهم قد خالطهم الفساد بعد حين من البراءة التي جبلوا عليها وهم صغار - فما لبثوا بعد ذلك أن أشربت أذهانهم وقلوبهم وطبائعهم الكفر والفساد - وذلك لما لامست عقولهم ونفوسهم أساليب الشياطين الشريرة بمختلف الوسائل التربوية والفكرية والثقافية فانقلبوا مردة شياطين كإخوانهم من شياطين الجن أو أعتى وأشد - وفي هذا روى عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس - فقال:"يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن"قلت: يا رسول الله! وهل للإنس من شياطين؟ قال:"نعم شر من شياطين الجن".

قوله: {يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} الجملة في محل نصب حال من شياطين - أو صفة لعدو؟ وقيل: الكلام مستأنف سيق لبيان عداوة الكافرين من شياطين الإنس والجن - ويوحي، من الوحي وهو الإشارة السريعة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي 137 وسمي وحيا لحصوله خفية - والمراد بقوله {يوحى} يلقي أو يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس - وقيل كذلك يوسوس بعض كل فريق من الفريقين للآخر - وقيل أيضا: إن مع كل جني شيطانا، ومع كل إنسي شيطانا فيوحي الشيطان لصاحبه بزخرف القول - ويدل على ذلك من السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن"قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:"ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت