على أن تأويل الفواحش ما ظهر منها وما بطن موضع خلاف - فقد قيل: المراد بما ظهر منها زواني الحوانيت، وأما ما بطن فما خفي - وقد كان أهل الجاهلية يستسرون بالزنا ويرون ذلك حلالا ما كان سرا فحرم الله السر منه والعلانية - فما ظهر منها يعني العلانية، وما بطن يعني السر - وقد ذكر مثل ذلك عن ابن عباس، إذ قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بأسا بالزنا في السر ويستقبحونه في العلانية فحرم الله الزنا في السر والعلانية.
وقيل: الأولى أن لا يخصص هذا النهي بنوع معين بل يجري على عمومه في جميع الفواحش والمعاصي ظاهرها وباطنها، لأن اللفظ عام يتناول بعمومه سائر المعاصي والمناهي.
قوله: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} ذلك نهي من الله عن قتل النفس التي حرم الله قتلها لعصمتها بالإسلام أو بالعهد كالذمي والمستأمن، {إلا بالحق} وهو ما يوجب قتلها - أي لا تقتلوا النفس المعصومة بالإسلام أو الذمة أو العهد في حال من الأحوال إلا في حال الحق - أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق - وهو ما يوضحه الحديث - فقد جاء في الصحيحين وكتب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"وهذا الحق عدة أمور نعرض لها في الأخبار التالية - فقد روى الشيخان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام وحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض".
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس"فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، فبم تقتلوني.
إلى غير ذلك من الأسباب الموجبة لقتل المسلم - أما غير المسلم وهو الذمي أو المعاهد - ويراد بالمعاهد، المستأمن من أهل الحرب الذي يدخل دار الإسلام بعقد الأمان من قبل دولة الإسلام - وقد جاء في قتل الذمي والمعاهد ظلما أشد الزجر والتهديد من الله بما يتوعد القاتلين ظلما الحرمان والخسران في الآخرة - فقد روى ابن ماجه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عيه وسلم قال:"من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر 201 بذمة الله فلا يُرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا".
وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من قتل معاهدا في غير كنهه 202 حرم الله عليه الجنة".
قوله: {ذلكم وصكم به لعلكم تعقلون} الإشارة عائدة إلى المنهيات المذكورة - فقد وصاكم الله بوجوب المحافظة على ما كلفتم به وهو اجتناب المنهيات لعلكم بعقولكم تكونون من الراشدين - ومن المعلوم أن كمال العقل هو الرشد.