فهرس الكتاب
وكذلك الفقير غير المعتمر؛ فإنه غير مطالب بأداء الجزية، وهو قول أكثر العلماء - ووجه ذلك: أن الفقير العاجز غير مكلف؛ لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} واحتجوا أيضا بما أخرجه البيهقي عن محمد بن عبد الله الثقفي قال: وضع عمر بن الخطاب -يعني الجزية- على رؤوس الرجال، على الغني ثمانية وأربعين درهما، وعلى الوسط أربعة وعشرون درهما، وعلى الفيقر اثني عشر درهما - وقالوا المراد بالفقير هنا غير المعتل.
وكذلك الرهبان من النصارى، ومصدره الرهبة والرهبانية، وتعني التعبد بما فيه الاختصاء واعتناق السلاسل وليس المسوح ونحو ذلك 54؛ فإن هؤلاء على العموم لا تجب في حقهم الجزية، وهو قول الحنفية والمالكية، خلافا للشافعية وأهل الظاهر 55.
قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} {حتى} ، للغاية التي تمتد إليها العقوبة، وهذه ترتفع بالبدل وهي الجزية - و {عن يد} ، يراد بها يد المعطي؛ وهي أن تكون مؤاتية غير ممتنعة لأن من أبي وامتنع لم يعط يده، وذلك بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك يقال: أعطى يده إذا انقاد أطاعه - وقيل: حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا غير نسيئة ليس مبعوثا عن يد أحد ولكن عن يد المعطي على يد الآخر - وقيل غير ذلك.
أما قوله: {وهم صاغرون} يعني أذلاء خاضعون مطيعون للدولة التي يعيشون في ظلها وه دولة الإسلام.
وهذه واحدة من المسائل التي يثار من اجلها اللغط والتهويش والتشويش على الإسلام بقصد الطعن فيه وتجريحه والإساءة إليه، أو لكي ينفروا منه أهل الكتاب تنفيرا بعد أن يغرسوا في نفوسهم الحقد والكراهية لهذا الدين.
إن مسألة الجزية قد اتخذها الصليبيون والمستشرقون والاستعماريون والعملاء والأتباع الناعقون من ورائهم -سبيلا يلجون منه على الإسلام من اجل تشويهه في أنظار الناس - ولقد سيق كثير من المثقفين والدارسين خلف هذه الدعاية الخبيثة التي أثارها أسيادهم من جهابذة الاستعمار والصليبية والاستشراق؛ أولئك الذين تتقطع قلوبهم وأعصابهم تغيظا من الإسلام، فهم دائما عاكفون بغير كلالة ولا كلل على الكيد للإسلام بكل أساليب الطعن والقدح والتشويه، وهم في ذلك كله لا يسندهم منطق ولا تشفع لهم حجة سليمة إلا الغيظ ومحض التعصب والجهالة.
والمسألة في غاية البساطة لو تصورها الخصوم والجاهلون والمارقون فأحسنوا تصورها - وهي أن الجزية مبلغ محمد من المال يؤديه غير المسلم إسهاما منه في بناء الدولة التي يعيش في ظلها والتي ينعم في أمنها ورخائها كغيره من الناس - وهي في مقابل فريضة الزكاة التي يؤديها المسلم للدول، بل إن الجزية دون الزكاة كثيرا، وهي لا يؤديها غير القادرين من العاجزين كالفقراء والصبيان والنساء والشيوخ؛ فلا داعي إذن لكل هذه الضجة المصطنعة الفاجرة ولمثل هذا اللغط المستعمر المحموم! لا داعي لكل هذا الافتراء على الإسلام والإساءة إليه ما دامت المسألة مجرد مبلغ محدود وهين من المال يؤديه غير المسلم ليشارك المسلمين في بناء البلاد وإعمارها - وهذا المبلغ من المال لا يعدو أن يكون نظيرا للضريبة التي يؤديها المواطن للدولة التي يستظل بظلها - وهل كان إلزام الناس بدفع الضرائب قسرا، مثيرا لمثل هذا الصخب العارم الذي يثيره الاستعماريون والصليبيون والمستشرقون وأتباعهم من العملاء حول الإسلام؟! إنه لا شيء من ذلك - لكنه الحقد الطاغي والمركوز، والكراهية المسيطرة العمياء، والتعصب الجهول الذي تتعطل من خلاله العزائم والضمائر والإرادات.