فهرس الكتاب

الصفحة 1601 من 2536

وعلى هذا فإن المرأة من جهتها تمسك بصمام الأمان للحيلولة دون وقع الفاحشة - فإن هي استرخت أو أذنت للرجل الدنو منها أو مسها كان الرجل شديد الاندفاع في عجل لقضاء الشهوة المشبوبة - وحينئذ تقع الفاحشة ويتوجب العقاب الصارم - وهذه حقيقة مستفادة من قوله في تحذير النساء من اللين ورقة الخطاب أمام الرجال: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) أي لا تخاطبن الرجال إلا في جد واستقامة بعيدا عن بواعث الريبة والفتنة والإغراء الذي يثيره لين القول ورقة الخطاب المتكلف.

وبذلك لا يُتصور وقوع الزنا بغير إذن من المرأة وقبولها - فإن هي استعصمت مجتنبة ظواهر الإغراء وتكلف الخطاب، فما يستطيع الرجل بعد ذلك أن يفعل شيئا إلا أن يجترئ في وقاحة شرسة فينقض انقضاض الكاسر المجنون.

حد الزنا

الزنا خسيسة من خسائس المجتمعات البشرية - وهو رذيلة من الرذائل التي تدنّس الفرد والجماعة بما تفضي إليه هذه الفاحشة المستقذرة النكراء من خلط المياه وتزييف النسل والأنساب وإشاعة الفوضى والظنون في المجتمع، وتبديد الثقة بين الأزواج والزوجات، وإضعاف التلاحم وعرى المودة بين الناس - والإكثار من نسبة الطلاق والأولاد غير الشرعيين؛ من أجل ذلك ندد الإسلام تنديدا بهذه الفاحشة المستقبحة وأعدّ من أجلها العقاب الرادع سواء في ذلك الزاني المحصن أو غير المحصن.

على أن الزنا الموجب للحد يعني الوطء من البالغ العاقل في قُبُل أو دُبر ممن لا عصمة بينهما ولا شبهة وهو قول الجمهور - بخلاف الحنفية؛ فإن الزنا الموجب للحد عندهم ما كان في القبل دون الدبر.

وثمة شروط لوجوب حد الزنا وهي:

الشرط الأول: التكليف؛ فإنه لا يقام الحد على الصغير والمجنون والمعتوه، ولا على النائم أو المكره؛ وذلك لما أخرجه أبو داود بسنده عن عائشة (رضي الله عنها) أن رسول الله (ص) قال:"رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل".

الشرط الثاني: الاختيار - وذلك أن يكون كل من الزناة أو الزواني مختارا غير مكره - فأيما إكراه في وقوع الزنا يندرئ به الحد - وذلك في حق المرأة معلوم لا خلاف فيه - أما الرجل المكره على الزنا ففي حده خلاف؛ فقد ذهبت الحنبلية والمالكية في الراجح من مذهبهم إلى حده - خلافا للشافعي وآخرين؛ إذ قالوا بعدم وجوب الحد على الزاني المكره استنادا إلى عموم الخبر:"رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه".

أما الحنفية: فإن الإكراه الذي يندرئ به الحد عندهم ما كان بفعل السلطان - أما الإكراه من غير السلطان فلا يمنع من وقوع الحد على الزاني المكره 2.

الشرط الثالث: العلم بالتحريم؛ فإنه يُعذر من جهل التحريم - كما لو كان الزاني حديث عهد بالإسلام، أو ناشئا ببادية بعيدة عن المسلمين - وتفصيل ذلك في مواضعه من كتب الفقه.

الشرط الرابع: انتفاء الشبهة؛ فإن الشبهة في الزنا تدرأ منه الحد؛ لأن الحدود مبنية على الدرء والإسقاط بالشبهات - وفي ذلك أخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) :"ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا".

وروى الترمذي أيضا عن عائشة قالت: قال رسول الله (ص) :"ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم - فإن كان له مخرج فخلوا سبيله؛ فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت