وضروب الشبهات في هذا الصدد كثيرة - كالوطء في نكاح مختلف في صحته - مثل النكاح بغير ولي، أو بغير شهود، أو في نكاح المتعة، أو نكاح الشغار - وكذلك نكاح الأخت في عدة أختها - ونكاح الخامسة في عدة الزوجة الرابعة المطلقة طلاقا بائنا - وتفصيل ذلك في مظانه.
الشرط الخامس: ثبوت الزنا في حضرة الحاكم؛ لأن الحاكم منوط به وحده إيقاع الحد على الزاني - فإن ثبت الزنا أمام غير الحاكم؛ لم يجب الحد، وينسحب ذلك على سائر الحدود والقصاص والتعزير.
ثبوت الزنا
يثبت الزنا بأحد شيئين:
أحدهما: الإقرار - وهو اعتراف الزاني أو الزانية بوقوع الزنا صراحة وفي وضوح لا لبس فيه ولا تردد - وصورة ذلك: أن يقر الزاني أو الزانية بوقوع الزنا أربعة أقارير، على أن يكون الإقرار طوعا من غيره إكراه - فأيما إكراه على الإقرار ينخرم معه الشرط فلا يجب الحد.
ثانيهما: البينة - وهي الشهادة من أربعة شهود عدول على حصول الزنا، على أن تتفق شهادات الشهود جميعا فيصفوا الزنا وصفا حقيقيا متطابقا - وأيما اختلاف بين شهادات الشهود؛ فإنه يندرئ به الحد - وتفصيل ذلك في مظانه من كتب الفقه 3.
عدم ثبوت الزنا بالحمل
لا يثبت حد الزنا بالحمل، فلو أن امرأة غير مزوجة حملت لا يقام عليها حد ما لم تعترف بالزنا أو يثبت ذلك بالشهادة كما بيناه سابقا - وهو قول الجمهور من الفقهاء - ووجه ذلك: أن الحمل لا يتجاوز في الإثبات مستوى القرينة من القرائن - أو هو ليس غير احتمال من الاحتمالات التي لا تثبت بها الفاحشة - وذلك في ذاته شبهة يندرئ بها الحد.
حد المحصن وغير المحصن
المحصن من الحصن وهو الموضع المنيع المصون - ومنه الإحصان بمعنى الصون والحماية 4 والمحصن في الشرع معناه المتزوج - سمي بذلك لتحصنه بالزواج من الفتنة والوقوع في الفاحشة.
أما المحصن إذا زنا، سواء كان ذكرا أو أنثى، فقد وجب في حقه حد الرجم بالحجارة حتى الموت - وقد ثبت حد الرجم عن طريق السنة - بما لا يحتمل الشك.
ومن جملة ذلك ما أخرجه أبو داود وآخرون من أصحاب السنن عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله (ص) :"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: الثيب بالثيب؛ جلد مئة ورمي بالحجارة - والبكر بالبكر؛ جلد مائة ونفي سنة"- وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عباس أن النبي (ص) قال لماعز بن مالك:"لعلك قبّلت أو غمزت أو نظرت"قال: لا - قال"أفنكتها؟"قال: نعم - قال: عند ذلك أمر برجمه، وكذلك أخرج أبو داود عن جابر بن عبد الله قال:"رجم نبي الله (ص) رجلا من اليهود وامرأة زنيا"وغير ذلك من الأخبار في رجم المحصن كثير - وقال ابن المنذر في هذا الصدد: أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى يموت - وبذلك يثبت وجوب الرجم على الزاني المحصن.
على أن الرجم لا يجتمع مع الجلد - فإذا ثبت الزنا من المحصن وجب في حقه الرجم فقط - وهو قول أكثر أهل العلم وفيهم الحنفية والشافعية والمالكية، وكذا الحنبلية في إحدى الروايتين لهم - وقد روي ذلك عن عبد الله بن مسعود - وقال به النخعي والزهري والأوزاعي وأبو ثور - واحتجوا لذلك بأن النبي (ص) رجم كلا من ماعز والغامدية ولم يجلدهما.
وقيل: يجتمع الجلد والرجم - فإذا زنا المحصن وجب جلده ثم رجمه - وهو قول الحسن البصري وإسحاق وداود بن علي الظاهري - وهي الرواية الثانية للحنبلية.
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) فقالوا: هذا النص يفيد العموم لكن السنة جاءت بالرجم في حق الثيب، والجلد في حق البكر - 5
حد غير المحصن