فهرس الكتاب
قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} .
ذلك إخبار من الله عما قاله رسوله صلى الله عليه وسلم لمولاه زيد بن حارثة (رضي الله عنه) ، الذي أنعم الله عليه أن هداه للإسلام وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أعتقه من الرق فصار سيدا عظيم الشأن، جليل القدر، حبيبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان يقال له، الحبُّ - ويقال لابنه أسامة الحبُّ ابن الحبِّ - وقد روى الإمام أحمد عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: ما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية إلا أمَّره عليهم - ولو عاش بعده لاستخلفه.
قوله: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوَّج مولاه زيدا بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية (رضي الله عنها) وقد أصدقها عشرة دنانير وستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وخمسين مدّا من طعام وعشرة أمداد من تمر - فمكثت عنده قريبا من سنة أو أكثر ثم وقع بينهما شقاق ونفور فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} أي أمسك عليك زوجك زينب واتق الله في أمرها ولا تعجل بطلاقها.
قوله: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} ذُكر في تأويل هذه الآية جملة أقوال وآثار عن بعض السلف ينبغي أن يُضرَبَ عنها صفحا لكونها مريبة، بعيدة عن اليقين فهي منافية للعصمة التي تتجلى في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي طبيعته المثلى وجبلَّته الناصعة العليا - والأمر يسير وفي غاية اليسر على من يسَّرهُ الله عليه - وجملة ذلك ما ذكره الحسن بن علي (رضي الله عنهما) في قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} إذ قال: إن الله تعالى قد أعلم نبيه أن زينب بنت جحش ستكون من أزوجه قبل أن يتزوجها فلما أتاه زيد (رضي الله عنه) يشكوها إليه قال له:"اتق الله وأمسك عليك زوجك"أي أخبرتك أني مزوجك إياها وتخفي في نفسك ما الله مظهره.
وروي كذلك عن علي بن الحسين (رضي الله عنهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيدا يطلّقُ زينب وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها - فلما اشتكى زيد للنبي صلى الله عليه وسلم خُلُقَ زينب وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الوصية والنُّصْح:"اتق الله في قولك وأمسك عليك زوجك"وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها وهذا هو الذي أخفاه في نفسه ولم يرد أن يأمره بالطلاق لِما علم أنه سيتزوجها - وقد خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو مولاه وقد أمره بطلاقها - فعاتبه الله تعالى على أن خشي في شيء قد أباحه الله له وهو قوله لزيد {أمسك} مع علمه بأنه يطلِّق - وأخبره الله أيضا أنه أحق بالخشية في كل الأحوال.