فهرس الكتاب

الصفحة 1889 من 2536

وعلى هذا فالمراد بقوله: {وتخشى الناس} إرجاف 60 المنافقين والذين في قلوبهم مرض، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج هو بزوجة ابنه - أي زيد -.

أما ما روي في ذلك من أقوال تشير إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقع في نفسه استحسان لزينب بنت جحش وهي في عصمة زيد مولاه وكان حريصا على أن يطلقها زيد ليتزوجها هو فإن ذلك مما لا يركن إليه العقل ولا تطمئن به النفس لمنافاته ما يتصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عصمة كاملة تحول بينه وبين تمنيه ما لا يملكه أو تدرأ عنه خصلة التشهي لما هو عند الآخرين - لا جرم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوتيه من فطرة فُضلى، وطبع نوراني ساطع لهو أسمى من أن يقع من نفسه استحباب لحظ من حظوظ الدنيا - ومثل هذه المقالة برغبته صلى الله عليه وسلم ما عند الآخرين تفضي إلى ما يبتغيه الدساسون والمتربصون في كل زمان من اصطناع ما يجدونه مطعنا في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي شخصه ودينه - ونسمع أو نقرأ في زماننا الراهن حول هذه المسألة كثيرا من تلفيقات المرْجِفين أولي الهوى والنفاق أو الذين يجيدون الثرثرة والَّغَط ويرومون الإساءة إلى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المتبرَّأ بعصمته من كل الخطايا والذنوب ظاهرة وباطنة، بل من مجرد التشهي لما لدى الناس من حظوظ الدنيا وزينتها.

قال الترمذي مسندا إلى علي بن الحسين قوله: فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهرا من الجواهر ودُرّا من الدرر أنه إنما عتب عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك فكيف قال بعد ذلك لزيد:"أمسك عليك زوجك"وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، والله أحق أن تخشاه.

قوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} الوطر معناه الحاجة، جمعه أوطار 61 أي لما قضى زيد إربه من زينب ففرغ منها وفارقها {زَوَّجْنَاكَهَا} فكان لذي تولى نكاحها هو الله جل وعلا - إذ أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليها بلا ولي ولا عقد ولا مهر ولا شهود من الناس - وهذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد ولهذا كانت زينب تفاخر نساء النبي صلى الله عليه وسلم - فقد روى النسائي عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقول: إن الله عز وجل أنكحني من السماء - وفيها نزلت أية الحجاب، وكذلك أخرج الإمام أحمد عن أنس (رضي الله عنه) قال: فلما انقضت عدة زينب (رضي الله عنها) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة:"اذهب فاذكرها علي"أي اخطبها لي - فانطلق حتى أتاها وهي تخمِّر عجينها - فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها وأقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك - قالت ما أنا بصانعة بشيء حتى أوامَرَ 62 ربي عز وجل فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن.

قوله: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} أي أبحنا لك الزواج من زينب كيلا يجد المسلمون ضيقا أو مشقة في الزواج من أزواج أدعيائهم الذين كانوا يجعلونهم أبناءهم كما كانت تفعل العرب؛ إذ كانوا يتبنون الأولاد الأدعياء حتى نزل النهي عن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت