فهرس الكتاب
وأول المنكرات هذه كثرة الظن بغير حق، وهي التهمة من دون سبب ظاهر يوجبها كالذي يتهم بشرب الخمر أو الزنا أو غير ذلك من وجوه الفواحش وليس ثمة أدلة ظاهرة تقتضي ذلك - ومثل هذا الظن حرام ومنهي عنه في دين الله - فما ينبغي لمسلم يقظ نبيه أن يسارع في اتهام المسلمين، وقذفهم بالسوء من المنكرات والفواحش - وإنما المسلم بطبعه وحقيقته لهو خاشع حريص، آخذ بالاحتياط والحذر، مجتنب لسوء الظن بإخوانه المسلمين، بل إنه يبادر بتلمس المعاذير لإخوانه عما يقال في حقهم أو ينسب إليهم من سوء الأقاويل والشبهات - وفي ذلك روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا وأنت تجد لها في الخير محملا - وروى ابن ماجه عن عبد الله ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول:"ما أطيبك وأطيب ريحك - ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمه المؤمن أعظم عند الله تعالى منك ماله ودمه وأن يظن به إلا خيرا".
وفي التنديد بالظن والتحذير من التلبس به روى أبو هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا".
وروى الطبراني عن حارثة بن النعمان (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة، والحسد، وسوء الظن"فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال صلى الله عليه وسلم:"إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض"وروى الإمام أحمد عن عقبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيى موءودة من قبرها".
قوله: {إن بعض الظن إثم} فهو لم ينه عن الظن كله، فقد أذن الله للمؤمنين أن يظن بعضهم ببعض خيرا - بل نهى الله عن بعض الظن وهو ما كان في الشر - فيكون المعنى: إنّ ظن المؤمن بالمؤمن الشر لا الخير، إثم منهي عنه.
قوله: {ولا تجسسوا} من التجسس - وهو تتبع الأخبار لمعرفتها - أو الفحص عن بواطن الأمور - والجاسوس الذي يتجسس الأخبار ليأتي بها 19 والمعنى المقصود: خذوا ما تبدى لكم من ظواهر الأمور ولا تتبعوا عورات المسلمين لمعرفتها أو كشفها - أو لا يبحث المسلم عن أخيه المسلم ليطلع عليه بعد أن ستره الله - وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته".
هذه هي محجة 20 الإسلام الناصعة البيضاء، وطبيعته المميزة الفضلى، القائمة على العقيدة الثابتة والخلق الكريم مهما تكن الأحوال والأعراف والظروف - تلك هي طبيعة الإسلام التي لا تتغير ولا بتبدل الأحوال والأزمان والمصالح، بل إن الأحوال والأعراف والملابسات والتصورات جميعا هي التي تدور مع الإسلام حيث دار.
ومثلبة التجسس واحدة من مثالب شتى خسيسة، قد ندد بها أبلغ تنديد، وهي أن يتتبع المرء عورات الناس من المسلمين وغير المسلمين من أجل الوقوف على أخبارهم وأستارهم، وللاطلاع على أسرارهم التي ما ينبغي أن يطلع عليها الآخرون.