هذه أطول آية في القرآن الكريم، وهي مشهورة بآية الدين - وجملة المقصود منها أن تُكْتبَ المدايناتُ توثيقا لها وصونا للحقوق؛ كيلا تضيع أو يأتي عليها النسيان أو الجحود - ومن المعلوم أن شريعة الإسلام تقوم على الواقعية التي تتدعم بكل مظاهر التيقين والتوثيق مثل الكتابة والإشهاد - وإذا لم يكن الأمر كذلك باتت الحقوق عرضة للنسيان والإنكار - ولا تركن شريعة الإسلام إلى وازع الخشية الدينية وحدها رغم أن هذا الوازع عظيم الشأن، هائل العطاء - ولكن هذه الشريعة تعوّل على الاثنين معا وهما الخشية الدينية ترافقها الأسباب الواقعية المحسة التي يحاسب على أساسها الناس في هذه الحياة أمام القضاء - وليس للجاحد في هذا الصدد إلا أن تقام عليه الحجة أمام السلطان الحاكم ليناقش الحساب فيلقى جزاءه المستحق سواء كان تغريما أو سجنا أو غير ذلك من وجوه الجزاء والعقاب.
والدّين في جملته معاملة ذات عوضين أحدهما يكون نقدا والآخر في الذمة نسيئة - وبعبارة أخرى فإنه معاملة تتألف من عوضين أحدهما عين الآخر دين والعين ما كان حاضرا، أما الدين فما كان غائبا (في الذمة) .
وقد ورد عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في السلم بفتح السين واللام - وقد ثبت أن رسول الله (ص) قدم المدينة وهم يستلفون في الثمار السنتين والثلاث فقال رسول الله (ص) :"من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
والآية في عمومها تفيد استحباب الكتابة للدين أيا كان نوع سواء في ذلك القرض الذي يتم بين دائن ومدين، أو السلم الذي يعقد بين المسلم والمسلم إليه على أن يقبض المسلم إليه الثمن في الحال بدلا عن المسلم فيه الذي يؤخذ في موعده المحدد - ويفهم ذلك من قوله: (فاكتبوه) والأمر هنا للإرشاد والاستحباب وليس للإيجاب، وهو الراجح الذي عليه جمهور أهل العلم.
قوله: (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) يكتب فعل مضارع مجزوم بلام الأمر - بين ظرف مكان منصوب، وكاف المخاطب في محل جر مضاف إليه والميم للجمع - (كاتب) فاعل مرفوع.
وتدل الآية على أن يكون الكاتب طرفا ثالثا، فليس هو بالدائن ولا المدين؛ لأن الاثنين مظنة الجور والتهمة، لكن الطرف الثالث أقرب لتسجيل الحق والقسط فلا يزيغ أو يجور.
وقوله: (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب) أي ليس لكاتب أن يمتنع من كتابة الدين إذا ما دُعي لذلك؛ فإنه مثلما علمه الله الكتابة فعلية ألا يبخل على غيره بهذه المعرفة - وجاء في الحديث:"من كتم علما يعلمه أًلجم يوم القيامة بلجام من نار"- والكاف في قوله: (كما) بمعنى مثل، صفة لمصدر محذوف تقديره كتْبًا - أيك لا يأب كاتب أن يكتب كتبًا مثلما علمه الله.
واختلفوا في حكم الكتابة إذا طلبها المتداينان من الكاتب - فقد قيل: إنها واجبة على الكاتب إذا طلب منه ذلك - وقيل: إنها واجبة عليه في حال فراغه - وفي قول ثالث وهو أن الكتابة في حق الكاتب فريضة إذا لم يكن غيره من يقوم بها.
وهذا هو الذي نرجحه.
وقوله: (وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا) (يملل) : من الإملاء أو الإملال - وفعله الماضي أملّ وأملى - واللام للأمر - فإن الله يأمر الذي عليه الحق وهو المدين أن يملل بنفسه على الكاتب بأدائه للدائن في الموعد المتفق عليه أو حين اليسر - والإملال من نفس المدين أوثق للحق؛ لما فيه من إقرار واضح ممن عليه الحق شخصيا - وعلى المدين كذلك وهو يملل أن يصدق في إملاله وأن يتقي ربه في ذلك فلا يحيف ولا يميل ولا يبخس من الحق الذي عليه شيئا - والبخس معناه الإنقاص 350.