فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 2536

وقيل: بل سمي خليفة لأن نسله وذريته يعقب بعضهم بعضا على هيئة أمم وأجيال، وثمة قول ثالث جدير بالاهتمام وهو أن آدم خليفة الله في إمضاء أحكامه وتنفيذ أمره وشرعه، فالله سبحانه هو الآمر الموجب، وهو سبحانه شارع الدين لعباده بما في الدين من أصول وكليات وما يتفرع عن ذلك من فروع وتفصيلات، وذلك كله بتقدير الله وأمره الذي ينبغي للناس أن يمتثلوه دون تقصير أو تخلف، ومن بعد ذلك يأتي دور الإنسان وهو دور كبير حقا، يتجسد في اضطلاع هذا الإنسان الخليفة بتطبيق شرع الله كاملا غير منقوص وباتخاذ كل ما يلزم من أسباب إجرائية أو وقائية أو غير ذلك من أسباب وذلك لإجراء شرع الله على العباد.

والإنسان"الخليفة"لهو كائن عظيم القدر في تصور الإسلام، وهو كذلك بالغ الشأن وكبير الاعتبار في ميزان الله، وهو لا يعدله في شأنه واعتباره أي كائن آخر إذا ما كان (الإنسان) على صراط الله ويمضي في الحياة على بصيرة من منهج الله الكبير، أو كان من المؤمنين الأوفياء الذين صدقوا الله المقاصد والنوايا، واستمسكوا بعقيدة الإسلام تعمر قلوبهم بالأمن والرضا، ذلك هو الإنسان"الخليفة"الذي يمشي على الأرض ذاكرا لآلاء الله شاكرا لأنعمه، لا يند عن صراطه وشرعه ولو احتمل معطاء وباعثا للخير له ولمن حوله من الناس حتى البهائم والأنعام ينظر إليها بعين الرعاية والحدب والرحمة.

ذلك هو الإنسان"الخليفة"الذي يحمل في الأرض أفدح أمانة قد عجزت دون حملها السماوات والأرض والجبال، وتلك هي أمانة العقيدة التي يطويها القلب في شغافه وحناياه لينطلق في ضوئها عاملا كادحا باذلا لا يتوانى عن أداء الخير والفريضة والمعروف، ولا يثني عن وجيبة التبليغ للناس في شجاعة وحماسة وإحساس بفريضة الجهاد يؤديها العبد المؤمن دون تهيب أو فرق ودون ضعف أو جل أو خجل.

والإنسان وهو على هذه الشاكلة من الإيمان والعمل ومن البذل والاستقامة والصبر، لهو ذو شأن عظيم من حيث المنزلة، وهو الكائن المكرم المفضل الذي يسمو على الكائنات جميعا والذي يرصد له الله من العناية والصيانة والتشريع ما يرقى به رقيا عظيما، وليس لأحد بعد ذلك أن يعتدي على هذا الإنسان"الخليفة"كيفما كان الاعتداء، فإنه لا يعتدي عليه إلا جانف هالك، وأصدق ما يرد في هذا الصدد، (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك:(لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم) 19 ويقول في حديث آخر يطير منه القلب هلعا رعبا: (لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار) 20 وفي الحديث القدسي: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطيته ولئن استعاذ بي لأعذته) .

وقوله: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء (لا تتصور أن مثل هذا السؤال من الملائكة يرد على وجه الاعتراض أو الاستنكار وهم العباد الأبرار المقربون الذين (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (ولكنه يرد على سبيل التعرف والاستفهام، على أن ظاهر الآية يدل على علم الملائكة بما ستؤول إليه حال البشر لدى وجودهم في هذه الدنيا، فلسوف يكون ثمة إفساد وسفك للدماء وغير ذلك من وجوه المعاصي والمفاسد والآثام وما يتفرع عن ذلك من قضايا ومشكلات تجرجر المتاعب والشدائد ونسبب الهموم والبلايا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت