فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 2536

أما سبب إدراك الملائكة لهذه الحقيقة من الإفساد وسفك الدماء: فلعل ذلك لعلم قد علموه من الله بوجه من الوجوه كالإلهام أو غيره، فهم لا يعلمون الغيب، لكنهم أعلموا أن بني آدم لو جاءوا الى هذه الأرض فسوف يكثر الفساد، وتنتشر الآثام والمعاصي، ويقع القتل والجور وسفك الدماء بغير حق، وقد جاء في تعليل معرفة الملائكة كذلك أنهم قد أدركوا هذه الحقيقة من خلال اللفظة القرآنية التي واجههم بها الله وهي (خليفة (فعرفوا بما أوتوه من نباهة وعميق إدراك أن الخلافة مناط القضاء والفصل بين العباد، وفي ذلك من المنازعات والخصومات ما يقود في الغالب إلى المحظورات والخطايا والمعاصي، وقيل غير ذلك من تأويلات والله أعلم بالصواب.

ويستفاد من قوله تعالى: (جاعل في الأرض خليفة (وجوب نصب إمام أو خليفة للمسلمين يسمعون له ويطيعون، لتجتمع به كلمتهم وينفذ فيهم أحكام الشريعة فيفصل بين الناس فيما يعرض لهم من خلافات ومنازعات فينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم فيهم حدود الله بما يزجرهم عن فعل الفواحش والمنكرات إلى غير ذلك مما لا يمكن إقامته أو تنفيذه إلا بالإمام المسلم العادل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

أما طريقة اختيار الخليفة للمسلمين فأوسط ذلك وأعدله أن يجتمع أهل الحل والعقد - وهم فئة العلماء في المسلمين - فينظروا أكثر الناس صلاحا لحمل هذه الأمانة الكؤود، لينصبوه إماما للمسلمين، فإذا رضي من نصبوه لذلك بحمل أمانة الخلافة بايعه أهل الحل والعقد، ثم بادره المسلمون جميعا بالبيعة بعد أن يعرض على مسامع الناس برامجه وخططه في سياسة البلاد ورعاية شؤون المسلمين.

أما الواجبات المنوطة بالإمام والتي يضطلع بمراعاتها وتنفيذها دون لين أو تردد فقد ذكرها الماوردي بما نوجزها هنا إيجازا وهي عشرة أشياء.

الأول: حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة.

الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم.

الثالث: حماية البيضة 21 والذب عن الحريم 22 لينصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال.

الرابع: إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.

الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون منها محرما أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دما.

السادس: جهاد من عائد الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله في إظهاره على الدين كله.

السابع: جناية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير خوف ولا عسف.

الثامن: تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.

التاسع: استكفاء الأمناء 23 وتقليد النصحاء 24 فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال.

العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة ولا يعول على التفويض 25 تشاغلا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين وبغش الناصح 26.

ويشترط في الإمام كيما تناط به وجيبة الإمامة جملة شروط هي:

أولا: الإسلام فلا يجوز بحال أن تناط إمامة المسلمين بغير مسلم، وكيف يعقل أن يكون حاكم المسلمين على غير ملتهم ثم يسوسهم بشريعة الله التي يجحدها ويستدل على ذلك بقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (وهذا يدل بظاهره على أن الذي يلي أمور المسلمين هو أحدهم وعلى ملتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت