وذلك في مختلف الجوانب العضوية والنفسية والدهنية - لا جرم أن ذلك تقدير رباني مركوز في أعماق الكينونة البشرية لتجيء الحياة على غاية الانجسام والتآلف والتكامل - والفوارق الذاتية بين الرجل والمرأة معتبرة ومقدورة لا ينكرها إلا جاهل مخدوع أو مضلل واهم - فالرجل يفوق المرأة - في الغالب- في قوة الجسد ومتانة الأعصاب ورباطة الجأش وسعة الأفق والمدارك، ومدى الاحتمال والصبر واشتداد العزم والشكيمة - لكن المرأة في ذلك كله أشد جنوحا للنعومة واللين - وهي أخصب ما تكون إدرارا لعواطفها الصادقة الحرى، وإحساساتها الرقيقة الجياشة - لا جرم أن هاتيك الفوارق العضوية والنفسية والذهنية تفرض نفسها على الواقع البشري وفي حياة الناس والمجتمع بما يقتضي أن تناط القوامة بالرجل دون المرأة - فهو قمين باحتمالها والتلبس بها أكثر من المرأة بكثير.
وليست القوامة في ذلك بالمنة المفضلة التي حباها الله الرجل، ولكنها الوجيبة الثقيلة والأمانة الأساسية التي نيطت بالرجل ليكون مسؤولا عنها أمام الله - ولسوف يناقش من أجلها الحساب ليجد جزاءه العسير ان كان من المقصرين المفرطين.
وفلسفة الإسلام في ذلك أصلا قائمة على التنفير من التلبس بالمسؤوليات أو المراكز التي لا ينبري للتشبث بها أو الحرص عليها إلا الخاسرون الهلكى - فلسفة الإسلام في هذه المسألة مبنية على الترغيب في التواضع وبذل العون والخدمات للناس بعيدا عن صخب الشهرة وحب الظهور وإطراء الجمهور.
وقاعدة الإسلام في التفضيل أصلا إنما تقوم على التقوى قبل كل شيء، من غير التفات في ذلك لأية اعتبارات أخرى كالذكورة أو الأنوثة أو غير ذلك من اعتبارات الدم أو العرق أو اللون أو الحسب والنسب - وإنما الاعتبار الأكبر في ذلك هو التقوى - وأصدق الكلام في هذه الحقيقة قوله تعالى: (إن أكرمكم عند اله أتقاكم) وكذلك قوله عز وجل: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) ذلك هو الاعتبار الحقيقي والمقدور في تصور الإسلام والذي يقع على أساسه التفضيل بين العباد - على أن الاستفادة من خبرة المرأة في كثير من الأمور لهي ذات شأن - فإن الاستفادة منها عن طريق التشاور معها أمر لا مفر منه خصوصا وأنها لذات عاطفة صادقة تتندى إخلاصا وبرا وبذلك فإن مشاورة الزوجة والوقوف على رأيها النافع الجيد لا يتعارض بحال مع إحاطة القوامة بالرجل - وبعد ذلك فإنه ليس لمتفلسف زنديق أو لذي رأي جاحد فاجر أن يصطنع الكلام في حذلقة فارغة ليفتري على القرآن بالطعن الكاذب والاجتراء الفاسد المقبوح - فقد قال قائلهم: إن المرأة لا تقل عن الرجل في أية كفاءة من الكفاءات أو قدرة من القدرات أو موهبة من المواهب - وقال آخرون: لا نرضى أن تناط القوامة بالرجل، بل كلاهما ينبغي أن يكون قواما - ومثل هذه الحذلقات كثير مما يكشف عن طبائع جانفة يغمرها الحقد أو التعصب أو تحف بها غاشية الجهل بحقيقة الإنسان في طبعه وحقيقة تركيبه - ولا جرم أن يكون الرحمن - جلت قدرته- أعلم العالمين بهذا الإنسان في أصالة تركيبه وجوهر فطرته وهو سبحانه أعلم بحقيقة الحال التي يصلح عليها الإنسان ذكرا كان أم أنثى (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) .
قوله: (بما فضل الله بعضكم على بعض) والتفضيل هنا للخصائص العضوية والذهنية والنفسية التي يتغاير فيها الصنفان وذلك في ضوء التركيب الفطري المختلف.