قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) جاء في سبب نزول هذه الآية أن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقرأت (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) ونحن نعبد ما تعبدون - فأنزل الله هذه الآية لتنهى عن الصلاة حال السكر - وفي ذلك ما يدل على أن السكر كان مباحا في أول الإسلام - وقد نزل في شان الخمر ما يشي بالتنفير منها من غير تحريم - قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) فقال عمر بن الخطاب: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا - ثم نزل من بعد ذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى -.) فقال عمر أيضا: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا - حتى نزل قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه - - فهل أنتم منتهون) فقال عمر: انتهينا 70 - وفي الآية نهي عن قربان الصلاة حال السكر - وفي ذلك دلالة على جواز شربها في فترة بعيدة عن وقت الصلاة كالعشاء الأخيرة مثلا وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة أوقات من الليل والنهار فلا يتمكن الشارب من أداء الصلاة في أوقاتها دائما والله تعالى أعلم 71 - والمراد بالسكر هو سكر الخمر وما قيس عليها من مخدّرات محرّمة يتخذها المدمنون وسيلة لإذهاب العقل من أجل العبث واللهو - والمقصود بالصلاة هنا موضع خلاف - فقد ذهبت طائفة إلى أنها العبادة المعلومة التي تؤدي في أوقاتها - وهو قول أبي حنيفة - وذهب طائفة أخرى إلى أن المقصود هو موضع الصلاة - وهو قول الشافعي وثمة قول ثالث بأن المقصود هو الصلاة وموضعها معا.
قوله: (وأنتم سكارى) مبتدأ وخبره - والواو تفيد الحال - وبذلك فان جملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال - وسكارى جمع تكسير مفرده سكران على وزن فعلان - والسكر نقيض الصحو ومنه التسكير، كأن تقول: سكرت الشق أي سددته وجعلته مسدودا 72 وعلى هذا فإن السكران مسدود العقل بما أصابه من آفة السكر بفعل الخمرة وهي ما يخامر العقل، ومن ذلك الخمار أي الستار الذي يغطي الشيء فيحجبه عن الرؤية - وعلى ذلك فالخمرة ستار يخامر العقل فيغشاه بحجاب كثيف من الإسكار 73.
قوله: (حتى تعلموا ما تقولون) أي حتى يمكن التيقن مما تقولونه تلاوة وغيرها في صلاتكم - والسكران لا يعلم ما يقول فلا يلزمه طلاقه؛ لأنه كالمعتوه الذي لا يفهم ولا يعي - وهو مروي عن ابن عباس - وقال به عثمان - وهو قول الليث بن سعد وأبي ثور والمزني، ورواية عن الشافعي - وكذلك البنج من ذهب به عقله فلا يقع طلاقه - وأجاز طلاقه آخرون - فقد روي ذلك عن عمر وبعض التابعين وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ورواية أخرى عن الشافعي.
أما الإمام مالك فقد ألزمه الطلاق والقود في الجراح والقتل، ولم يلزمه النكاح والبيع 74.
قوله: (ولا جنبا إلا عابري سبيل) الجنب من الجنابة وهي مخالطة الرجل المرأة حتى يحصل الإنزال - والجنب لا يؤنث ولا يجمع - والأصل فيه من البعد كأن الجنب يكون بعيدا عن حال الصلاة 75 - وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الجنب هو غير الطاهر سواء كان بسبب الإنزال أو ملامسة الختان للختان ولو بغير إنزال وهو الصحيح.