قوله: (إلا عابري سبيل) قيل: عابر السبيل هو المسافر فلا يصح لأحد بذلك أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإن له أن يتيمم ثم، يصلي وهو قول أبي حنيفة - وذكر آخرون في سبب نزول الآية أن قوما من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد فإذا أصاب أحدهم الجنابة اضطر إلى المرور في المسجد - فقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رسول الله (ص) ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال:"وجّهوا هذه البيوت عن المسجد"- ثم دخل النبي (ص) ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة فخرج إليهم فقال:"وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب"- وفي هذا دليل على صحة القول الثاني وهو سبب نزول الآية - وفيه الحكم بجواز عبور المسجد للجنب الذي لا يجد مندوحة عن دخول المسجد بقصد الوصول إلى بيته.
وثمة محظورات على الجنب إلا أن يغتسل، وهي قراءة القرآن قلّ ذلك أو أكثر - فقد أخرج ابن ماجه عن ابن عمر أن النبي (ص) قال:"لا يقرأ الجنب والحائض شيئا من القرآن"وأخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال:"كان رسول الله (ص) لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا أن يكون جنبا"- وكذلك أخرج الدارقطني عن عبد الله بن رواحة أن رسول الله (ص) نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب.
ومع ذلك فإنه يحل للجنب أن يقرأ من القرآن على سبيل الأذكار أو المواعظ والأحكام، كقوله عند الركوب: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) وقوله عند المصيبة: (إنا لله وإنا إليه راجعون) .
ويذهب الإمام مالك وأصحابه إلى جواز التلاوة للآيات اليسيرة من الجنب بقصد التعوذ أو الاستدلال وذلك كما لو قرأ آية الكرسي أو الاثنين الأخيرتين من سورة البقرة 76.
أما أهل الظاهر فقد غالوا في ذلك إذ قالوا: يجوز للجنب أن يتلو القرآن ما قل منه أو كثر - ونحسب أن هذا القول مجانب للصواب 77.
قوله: (حتى تغتسلوا) فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد حتى - وعلامة النصب حذف النون من آخره - والاغتسال هو إسباغ الماء على الجسد مع إمرار اليد على المغسول وهو التدليك - على أن التدليك ليس شرطا لصحة الغسل وهو قول جمهور العلماء - وذهب الإمام مالك إلى وجوب التدليك عند الاغتسال، وقول الجمهور أصوب لما روى عن عائشة وميمونة في صفة غسل النبي (ص) وأنه ليس فيه تدليك.
وبالنسبة للنية فقد اشترطها بعض الفقهاء منهم مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم مثلما اشترطوا النية في الوضوء والتيمم؛ لأن مثل هذه الأمور عبادة وهذه لا تتحقق إلا بالنية لقول النبي (ص) :"إنما الأعمال بالنيات"وخالف في ذلك الأحناف وقالوا بصحة الغسل والوضوء بغير نية - لكن الطهارة عن طريق التيمم لا تتم إلا بالنية 78.