فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 2536

قوله: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط - -.) ثمة ظروف وأحوال يعز فيها الحصول على الماء أو استعماله فإنه حينئذ يتسنى للمرء أن يتيمم من أجل استباحة بعض العبادات التي يشترط لها الطهارة مثل الصلاة وتلاوة القرآن ودخول المسجد - وأول هذه الظروف والأحوال: المرض: فإن خشي المريض على نفسه الهلاك أو فوات جزء من أعضائه أو تأخير البرء إن اغتسل وذلك لبرودة الماء أو غير ذلك جاز له إذ ذاك أن يتيمم بالتراب الطاهر على نحو ما سوف نبيّن - فقد روى أبو داود والدارقطني عن عمرو بن العاص قال: احتملت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت باصحابي الصبح فذكروا ذلك لرسول الله (ص) فقال:"يا عمر صليت بأصحابك وأنت جنب؟"فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله عز وجل يقول: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) فضحك نبي الله (ص) ولم يقل شيئا - ويعزز ذلك أيضا قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) - وأخرج أبو داود والدارقطني عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجّّه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي (ص) أخبر بذلك فقال:"قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العيّ السؤال، إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده".

السفر: يجوز التيمم للمسافر سواء كان السفر قصيرا أو طويلا إذا لم يتوفر الماء من غير اشتراط لما يجوز فيه قصر الصلاة - وذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم خلافا لما قيل بأنه لا يكون تيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة وهو ضعيف.

أما بالنسبة لجواز التيمم في الحضر (الإقامة) فثمة خلاف بين الفقهاء في ذلك فقد ذهب الإمام مالك وأصحابه وأبو حنيفة إلى أن التيمم في الحضر جائز مثلما هو جائز في السفر وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز للحاضر المقيم أن يتيمم إلا إذا كان سقيما يخشى الهلاك أو التلف أو لغير ذلك من المعاذير الشرعية - وقال أيضا إنه إذا عدم الماء في الحضر جاز للصحيح والسقيم التيمم للصلاة على أن يعيدا بعد الحصول على الماء.

ويبدو أن الراجح ما ذهب إليه الشافعي وهو منع التيمم لغير المسافر وتوجيه هذا القول أن الله تعالى جعل التيمم رخصة للمسافر والمريض وبذلك فإنه سبحانه لم يبح التيمم إلا بشرطين هما السفر والمرض ويخرج من ذلك المقيم والصحيح.

نفاد الماء: إذا عدم الماء ولو في الحضر جاز التيمم لقوله تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) .

فإذا نفد الماء في الحضر، أو بيع بثمن لا يطاق لغلائه، أو كانت الحاجة إليه من أجل الشرب ماسّة جاز التيمم، سواء احتيج إليه لسقاية الآدميين أو البهائم كالفرس أو الشاة أو الهرة أو كلب الحراسة أو غير ذلك.

والغائط أصله في اللغة ما انخفض من الأرض ويجمع على غيطان - وكان من عادة العرب إذا مشوا لقضاء الحاجة أن يذهبوا بعيدا عن أعين الناس ليغيبوا في الغائط من الأرض أي المنخفض، وبعد ذلك قد سمي قضاء الحاجة بالغائط 79.

قوله: (أو لامستم النساء) ورد في تفسير الملامسة وفي حكمها جملة أقوال:

أولها: أن الملامسة مختصة باليد فقط فإذا وقعت الملامسة فيما بين الرجل والمرأة الأجنبية باليد وجب الوضوء لنقض الطهارة باللمس - وهو قول طائفة من أهل العلم - وهو مروي عن عمر وابن مسعود، وقال به الأوزاعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت