فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 2536

وقوله: (ولا تقولوا على الله إلا الحق) يوجب الله على هؤلاء في تحذير وترشيد ألا يفتروا على الله افتراء مشينا مختلفا، وألا يتجرأوا عليه بالتقول الظالم المكذوب، وأن يتورعوا عن إطراء المسيح بما ليس له مما هو إشراك بالله كبير - ثم قال سبحانه: (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) المسيح مرفوع على الابتداء، وعيسى بدل منه وكذلك ابن بدل، ورسول خبر المبتدأ - وفي هذه الآية حصر قاطع لحقيقة المسيح في النبوة الكاملة المتولدة عن أمه مريم عليها السلام بعد أن حملت به حملا حقيقيا بإذن الله، ثم أجاءها المخاض إلى جذع النخلة حتى وضعته وليدا رضيعا ينطق كأنما هو كبير مكتهل - وتؤكد الآية بعد أداة الحصر (إنما) على أن المسيح عيسى لهو ابن مريم، وأنه ليس له أب، وأنه من عباد الله المرسلين كغيره من إخوانه النبيين الذين يشاركونه جميعا في حقائق كبرى ثلاث وهي: العبودية لله والنبوة والرسالة - وأي تجاوز لهذا المفهوم يشكل انزلاقة خطيرة تلج بالمنزلقين في وهدة الضلالة والإشراك بالله، وتجعلهم يجاهرون في اجترار أحمق بنسبة الولد إلى الله أو حاجته سبحانه لصاحبة وقد تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

وقوله: (وكلمته ألقاها إلى مريم) المقصود بالكلمة هنا قوله: (كن) فإنه بعد أن قالها تحقق الحمل والولادة بغير أبوة أو نكاح - وقيل يقصد بها الآية - فإن المسيح عليه السلام من حيث ولادته بغير أب ولا نكاح كان آية دالة على عظمة الله سبحانه وعلى قدرته في الخلق بغير قيود وقيل غير ذلك.

وقوله: (وروح منه) معطوف على كلمته مرفوع - وقد ورد في المراد بالروح هنا أقوال كثيرة نقتصر منها على قولين أحسبهما الراجحين والله تعالى أعلم - فقد قيل: إن سبب تسميته بالروح أن نفخة من روح الله عن طريق جبريل عليه السلام - والقول الثاني أن كلمة روح في الآية تعني رحمة - فالمسيح قد كان رحمة من الله للناس أي أن الله قد امتن على عباده فبعث إليهم رحمة منه تجسدت في هذا النبي الكريم عيسى عليه السلام.

قوله: (فآمنوا بالله ورسله) يدعو الله للإيمان به وحده لا شريك له فهو خالق الكون والحياة وخالق الناس والنبيين جميعا وخالق المسيح بن مريم نفسه.

وقوله: (ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم) ثلاثة خبر لمبتدأ محذوف تقديره آلهتنا 186 - ذلك نهي شديد عن مقارفة خطيرة تشبث بها النصارى منذ أن كانوا ولا يزالون فقد أشركوا بالله أشد إشراك، وزعموا أنه اتخذ ولدا - ولهم في ذلك حذلقات عقيمة تقوم على التكلف واصطناع العبارات الباهتة الغامضة - العبارات المسوقة في خلط وإبهام والتي غالبا ما تثير في الأذهان الحيرة والتساؤل أو تبعث في النفس الشك والارتياب والتردد - عبارات مضطربة غوامض ليس لها في ميزان الواقعية والمنطق أيما حساب.

ومن الحذلقات قولهم بالأقانيم الثلاثة - ومفردها أقنوم وهو يعبر عن إله والأقانيم الثلاثة ترمز إلى الأب والابن وروح القدس، وكل شطر من هذه الشطور إنما- يعني- في تصور النصارى- إلها ينبثق عن جوهر الإله الأكبر - وقد تفرقوا في تفسير هذه الاصطلاحات فرقا شتى وافترقوا كذلك في التفصيلات افتراقا يدل على تبلد في التفكير بما ينتفي معه الإخلاص للحقيقة الإلهية من أول لحظة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت