ومن جملة ما قالوه في الثلاثة: الآلهة ثلاثة - الله سبحانه، والمسيح، ومريم وقالوا: إن الله تعالى جوهر، وأحد ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس - وهم يريدون بالأول الذات أو الوجود، وبالثاني العلم أي الكلمة - وبالثالث الحياة - وقالوا: إن الله واحد بالجوهرية، وثلاثة بالأقنومية - والأقانيم صفات للجوهر القديم وهي الوجود والعلم والحياة - وعبروا عن الوجود بالأب، والحياة بروح القدس، والعلم بالكلمة - ثم اختلفوا أكثر من ذلك فذهبت الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها إلى أن الأقانيم غير الجوهر القديم، وأن كل واحد منها إله، وصرحوا بإثبات التثليث - وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة وسبحانه وتعالى عما يشركون - وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته وامتزجت به امتزاج الماء بالخمر، وأن المسيح ناسوت كلي لا جزئي، وهو قديم أزلي، وأن مريم ولدت إلها أزليا - واتفقوا على أن اتحاد اللاهوت بالمسيح دون مريم، وأن القتل الصلب وقع على الناسوت واللاهوت معا، وأطلقوا لفظ الأب على الله - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وأطلقوا كذلك لفظ الابن على عيسى عليه السلام.
وذهب نسطور الحكيم إلى أن الله تعالى واحد والأقانيم الثلاثة ليست غير ذاته ولا نفس ذاته، وأن الكلمة اتحدت بجسد المسيح لا بمعنى الامتزاج، بل بمعنى الإشراق - أي أشرقت عليه كإشراق الشمس من كوة على بلور.
ومن النسطورية من قال: إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حي ناطق موجود - وصرحوا بالتثليث كالملكانية - ومنهم من منع ذلك - ومنهم من زعم أن الابن لم يزل متولدا من الأب، وإنما تجسده وتوحده بجسد المسيح حين ولد - والحدوث راجع إلى الناسوت - فالمسيح إله تام وإنسان تام وهما قديم وحادث - وقالوا إن الصلب ورد على الناسوت دون اللاهوات - وذهب بعض اليعقوبية إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما فصار الإله هو المسيح، إلى غير ذلك من الأقوال الغامضة المتناقضة - الأقوال التي يضرب بعضها بعضا ويكذب بعضها الآخر تكذيبا - أقوال في غاية الضعف والتهافت والركاكة فلا تثير غير مزيد من الحيرة والشك والإبهام 187.
أقوال لا تستند إلى أدنى نصيب من البرهان ولا يسعفها شيء من المنطق والتفكير السليم، وما هي إلا ترهات تقال في تخريص متخبط، وفي هوى جامح مجانب للصواب.
وما أروع العقيدة الإسلامية في هذا الصدد، فإنها تقوم على السهولة والبساطة واليسر وتنبذ التعقيد والتكلف؛ لأنها عقيدة الحق والفطرة وعقيدة الإنسان المتكامل السوي الذي يمشي على صراط واضح ومستقيم لا عوج فيه - وهذه حقيقة ناصعة مكشوفة نعيها تماما ونحن نقرأ قوله سبحانه في سورة قصيرة من أعظم سور القرآن (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) وهذه عبارات قاطعة حاسمة لا تحتمل شيئا من التكلف المضطرب أو الإغراق في متاهات التصور الشاطح والمغالاة في هذيان مريض.