أما الحنفية فقالوا: يمين اللغو هي اليمين الكاذبة خطأ أو غلطا في الماضي أو في الحال، سواء في الإثبات أو النفي - وذلك كأن يقول الرجل: والله ما كلمت فلانا، وهو يظن أنه لم يكلمه وقد كلمه - أو يقول: والله لقد كلمت فلانا وهو يظن أنه كلمه لكنه في الحقيقة لم يكلمه - أو حلف أن هذا القادم فلان أو أن هذا الطائر غراب وهو يظن أنه كذلك ثم تبين أنه خلاف ما ظن - ومثل هذه الأيمان لغو - وهو مذهب الإمام مالك في المقصود باللغو - فقد ذكر عنه قوله: اللغو في اليمين أن يحلف على الشيء يظن أنه كذلك - كقوله: والله لقد لقيت فلانا أمس، وذلك يقينه - وإنما لقيه قبل ذلك أو بعده فلا شيء عليه في ذلك لكونه لغوا، واستدلوا لذلك بالآية {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} فقد قابل يمين اللغو باليمين المقصودة وفرق بينهما في المؤاخذة وفي نفيها - ومقتضى ذلك أن تكون يمين اللغو غير اليمين المعقودة تحقيقا للمقابلة 178.
يمين الغموس
هي اليمين الكاذبة قصدا في الماضي والحال نفيا أو إثباتا - كقوله: والله ما فعلت كذا، وهو يعلم أنه فعله - أو يقول: والله لقد فعلت كذا، وهو يعلم أنه لم يفعله.
وسميت يمين الغموس بهذا الإسم، لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو النار - فهي بذلك فاجرة وضرب من ضروب الزور، أو الازوار، أي العدول والانحراف عن الحق والصدق - وبذلك فإن اليمين الغموس واحدة من أكبر الكبائر التي حذر منها الدين وشدد عليها النكير وندد بها تنديدا.
فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن أنيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس - والذي نفسي بيده لا يحلف رجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت كيا في قلبه يوم القيامة"وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع".
وأضاف الإمام مالك إلى يمين الغموس ما لو حلف وهو غير متيقن مما حلف عليه - وذلك كأن يقول: والله ما لقيت فلانا أمس، وهو لا يقين له في ذلك - أو لا يعرف حين الحلف أنه لقيه أمس أو لم يلقه - ثم تبين له بعد ذلك أنه خلاف ما أقسم عليه - فإن ذلك كمن حلف عامدا للكذب - وعليه أن يستغفر الله، لأن هذه اليمين أعظم من أن يكون لها كفارة 179.
أما الكفارة في اليمين الغموس ففي وجوبها قولان:
أحدهما: عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس - وهو قول أكثر أهل العلم - وقد ذهب إلى ذلك الحنفية والمالكية والحنابلة وأصحاب الحديث وغيرهم من الصحابة والتابعين - واستدلوا لذلك من النصوص ما فيه وعيد للحالفين الكاذبين بأن مصيرهم إلى النار - كقوله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} وقوله صلى الله عليه وسلم:"من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مالا لقي الله وهو عليه غضبان"يستدل من ذلك أن موجب اليمين الغموس العذاب في الآخرة، فمن أوجب الكفارة فقد زاد على النص وهو لا يجوز.
واستدلوا من المعقول أيضا بأن اليمين الغموس من الكبائر التي لا تمحوها الكفارة، لأنها أكبر من أن تكفرها كفارة ولا يمحوها غير التوبة والندامة والاستغفار 180.