هذا من جملة النداء الذي ينادي بين أهل الجنة وأهل النار - والمنادي في ندائه مخول من ربه أن يلعن الظالمين الذين كانوا في الدنيا يصدون الناس عن دين الله؛ فهم أنفسهم معرضون عن دين الله ومنهجه القويم للناس، ثم يتعدون هذا الإعراض إلى صد البشرية بصرفها عن التوجه نحو الحق - لا جرم أن دين الإسلام بعقيدته ومثله وقيمه وتعاليمه وتشريعه لهو عين الحق والصدق والكمال - وهو ما تصلح عليه البشرية تمام الصلاح، وتستقيم على أساسه كامل الاستقامة في كل أحوالها النفسية والثقافية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية - وهذه حقيقة واضحة وملموسة بفعل التجربة الواقعية التي عاينها المسلمون إبان الحكم بهذا الدين، وإبان سلطان الإسلام الوارف المهين على الأرض لكن الظالمين الذي تتفطر قلوبهم ضغنا وحسدا لفرط كراهيتهم للإسلام والمسلمين ما برحوا يصدون عن الإسلام منذ أن بزغ فجره إلى هذه الدنيا ما برح المشركون والمتربصون على اختلاف مللهم وأديانهم وعقائدهم يحادون الله ورسوله، ويشاقون الإسلام أفظع مشاقة، ويتآمرون على المسلمين أبشع تآمر - ولئن كان التآمر والكيد للإسلام والمسلمين في الأزمنة الماضية بالوسائل البدائية الهمجية كالقتل والإبادة والاستئصال، كالذي حل بالمسلمين في بغداد على أيدي المغول التتار، أو الذي حل بالمسلمين في الأندلس على أيدي الصليبيين الحاقدين - - لئن كان التآمر والكيد في الأزمنة الفائتة على هذه الصورة والكيفية من الاستصال وإزهاق الأرواح وتعذيب الأجساد، فإن الظالمين في الزمان الراهن أشد براعة ونكرا وأخبث وسيلة وأسلوبا في صد البشرية عن الإسلام وصرف المسلمين بالذات عن هذا الدين العظيم - وذلك بما برعوا من أساليب التشويه والتشكيك وافتراء الإشاعات الكاذبة والأخبار الملفقة المكذوبة عن منهج الإسلام؛ وذلك لتشويه الأفكار وتسميم العقول لدى المسلمين حتى ينثنوا عن دنيهم.
ولقد انبرى لمثل هذه العملية الهائلة الظالمة متخصصون في مختلف المجالات التشريعية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية وسائر ما يسمى في الاصطلاح الراهن بالعلوم الإنسانية - وقد زود هؤلاء بكل ما يحتاجون إليه من أسباب الدعاية والنشر كالطباعة ووسائل الإعلام وكتابة الصحائف والنشرات والمؤلفات المخلفة بالافتراءات والأكاذيب على الإسلام، والطعن في أغلب معانيه وتعاليمه بما يصد الناس عن هذا الدين صدا، وبما يثير في أذهان المسلمين تشويها كبيرا عن دينهم فينثنون عنه انثناء الجامحين الشاردين الذين استحوذت عليهم الشياطين من خصوم الإسلام فأغووهم وأضلوهم ضلالا مهينا.