فهرس الكتاب

الصفحة 1024 من 2536

وما ينبغي لمرتاب أو جاهل أن يعجب أو يتساءل عن وجه الإعطاء لها النصيب من الزكاة من أجل أن تتألف قلوب الكافرين والحاقدين والمترددين؛ فإنه المسألة معقولة وجلية لمن تدبر أو تفكر - وأساس الأمر في هذه المسألة أن الإسلام يراعي أصناف البشر من حيث اختلاف طبائعهم وأهوائهم وفطرهم فما خلق الله الناس على نسق واحد متحد من الطبع والفطرة - وإنما الناس في ذلك مختلفون متفاوتون - فمن الناس من تستميله الكلمة الرقيقة الرحيمة والأسلوب الكريم الحاني ليسلس لمحدثه القياد والطاعة فيسير معه في لين وود، ومنهم من يؤثر فيه البرهان الساطع والحجة الدامغة حتى إذا دخله اليقين وغشيته القناعة؛ جنح للصواب، واستجاب لنداء الحق المبين، وسار مع السائرين في ظل الله وفي ضوء منهجه الحكيم الشافي - ومن الناس من لا تستميله حجة ولا برهان، ولا يؤثر فيه علم ولا بيان، ولا يعطف عقله أو قلبه أساليب العاطفة الغامرة أو التحنان الندي؛ بل تؤثر فيه أسباب القوة والسنان، وتردعه عن ظلمه وترديه في الفاحشة والضلال؛ شدة البأس وقوة الشكيمة والترهيب - ومن الناس من لا يعطفه أو يؤثر فيه شيء مما ذكر؛ فلا يجدي معه النقاش والبرهان، ولا يستميله الخلق وقوة البيان - ولا يستميله أو يستعطفه الترهيب واشتداد الشكيمة - وإنما يستميله المال وحده - فإذا هو أوتي نصيبا من المال رق ولان، وجنح لحب من يحسن إليه بالعطية - ومن أجل ذلك شرع الإسلام نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة مراعاة لطبائع البشر التي لا يحبط بحقيقتها ولا يعلمها كامل العلم إلا بارئها {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} .

انقطاع سهم المؤلفة قلوبهم.

هل انقطع سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثمة قولان للعلماء في ذلك:

القول الأول: وهو سقوط سهم المؤلفة قلوبهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - وهو قول الحنيفة والشافعية في أحد القولين لهم - وقال به عمر والحسن والشعبي وآخرون؛ فقد ذهب هؤلاء إلى انقطاع هذا الصنف من مستحقي الزكاة بعز الإسلام وظهوره - وعللوا انتهاء هذا الحكم بانتهاء علته؛ وذلك كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار - وأجيب عن ذلك: بأن الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علته كما في الرمل والاضطباع 113 في الطواف، فإن انتهاءها لا يستلزم انتهاءه.

القول الثاني: إثبات سهم المؤلفة قلوبهم وعدم انقطاعه، وهو قول الحنبلية والشافعية في المعتمد من مذهبهم، واحتجوا بظاهر الآية؛ فقد سمى الله المؤلفة قلوبهم في الأصناف الثمانية الذين سمى لهم الصدقة - وكذلك السنة؛ فقد أخرج البيهقي بإسناده عن زياد بن الحارث الصدائي (رضي الله عنه) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام، ثم أتاه آخر فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل لم يرض فيها بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى يحكم هو فيها؛ فجزأها ثمانية أجواء، فغن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك -أو أعطيناك- حقك) وقد ثبن عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار مشهورة أنه أعطى المؤلفة قلوبهم ولم يزل كذلك حتى مات - ولا يجوز نرك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ؛ ولا نسخ.

قال الزهري في هذا المعنى: لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة - وقال ابن العربي أيضا: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان يعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت