فهرس الكتاب
والراجح عندي أن إعطاءهم منوط بالإمام؛ فإن وجد في إعطائهم مصلحة للإسلام أعاطهم، وإلا توقف إعطاؤهم؛ فإنما يعول في ذلك على مصلحة الإسلام من حيث ترغيب الناس فيه واستمالتهم إليه ودرء شرهم وكيديهم عنه.
الصنف الخامس: {وفي الرقاب} والمراد بهؤلاء موضع خلاف نوجزه في قولين:
الصنف الأول: المراد بهم المكاتبون؛ وهو أن يصرف إليهم هذا السهم من الزكاة؛ فلا يجزي العتق من الزكاة؛ وهو قول أكثر العلماء؛ وهو أن إعطاء المكاتبين من الزكاة هو المراد من الآية، أما عنق الرقبة؛ فإنه لا يسمى صدقة؛ لأن إيتاء الزكاة تمليك الأخذ، وليس العتق تمليكا لمال - ويستدل على ذلك أيضا من السنة بما أخرجه البيهقي عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا مؤمل أول مكاتب في الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعينوا أبا مؤمل) فأعين ما أعطى كتابه،
وفضلت فضلة فاستفتى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يجعلها في سبيل الله.
القول الثاني: {وفي الرقاب} معناه فك الرقاب؛ وبذلك يجوز للإمام أن يشتري رقابا من مال الصدقة ويعتقها عن المسلمين ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين، وإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم جاز، وهو قول المالكية، وقد روي عن ابن عباس والحسن، وهي رواية عن أحمد، وقال به إسحاق وأبو عبيد وأبوة ثور - واحتجوا بقوله: {وفي الرقاب} فإن كان للرقاب سهم من الصدقات كان له أن يشتري الفرس فيحمل عليه في سبيل الله - فإذا كان له أن يشتري فرسا من الزكاة؛ فإنه يجوز له أن يشتري رقبة، ولا فرق بين ذلك 115.
الصنف السادس: {والغارمين} وهو جمع ومفرده الغارم - وهو المدين، وقد يكون الغريم الدائن - والغرامة ما لزم أداؤه - وكذا المغرم والغرم، وعلى العموم فإن الغارمين هم الذين أثقلهم الدين وليس عندهم ما يوفون به دينهم، فإن هؤلاء يعطون من الزكاة بغير خلاف إلا إذا كان استدان في سفاهة؛ فإنه لا يعطي من الزكاة إلا أن يتوب إلى ربه 116 - وثمة مسائل في هذا الصدد:
المسألة الأولى: إذا كان لرجل على معسر دين فأراد أن يجعله عن زكاته فقال له: جعلته عن زكاتي؛ ففي جواز ذلك قولان:
القول الأول: عمد الجواز، وهو قول الحنبلية والشافعية، وكذا المالكية في أحد القولين لهم - ووجه ذلك: أن الزكاة في ذمة المزكي ولا يبرأ إلا بإقباضها - واحتسابها بدلا عن الدين لا يكون إقباضا؛ فلا يحتسب الدين من الزكاة قبل قبضه - ومعلوم أن الزكاة إيتاء، أما هذا فهو إسقاط، وهما مختلفان.
القول الثاني: الجواز، وعلى هذا لو تصدق على مدينه الفقير جاز؛ لأن المدين قبض عينا، والعين تجوز عن العين والدين جميعا، وهو قول الحنفية وكذا الشافعية والمالكية في قول لهم، وقد ذهب إليه الحسن البصري وعطاء 117.
المسألة الثانية: لو مات وعليه دين وليس له تركة، هل يقضي دينه من سهم الغارمين؟ ثمة قولان في هذا:
أحدهما: الجواز، وهو قول المالكية، والشافعية في أحد قوليهم - وعلى هذا لو مات فإنه يوفى دينه من الزكاة إن استدان في غير فساد كشرب خمر أو قمار ونحو ذلك.
ثانيهما: عدم الجواز، وهو قول الحنفية، والشافعية في قولهم الثاني، وهو مذهب أحمد - ووجه هذا القول: أن قضاء دين الغير لا يقتضي التمليك منه - ودليل ذلك أن ما أخرجه الدراقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا أولى بكل مؤمن من نفشه؛ من ترك كالا فلورثته، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي؛ أنا أقضي دينه، وأفك عانيه) 118.