فهرس الكتاب
المسألة الثالثة: وهي نقل الزكاة من بلد على بلد آخر - فثمة خلاف بين العلماء في ذلك؛ فقد ذهبت الحنفية إلى أن الزكاة تقسم في كل بلد في فقرائه ولا يخرجها إلى غيره من البلدان - وإن أخرجها وأعطاها الفقراء جاز مع الكراهة - وروي عن أبي حنيفة قوله إنه لا بأس أن يبعث الزكاة من بلد إلى آخر إلى ذي قرابته.
وذهبت الشافعية إلى أن صرف الزكاة إلى الأصناف في البلد الذي فيه المال دون غيره واجب - أما إن نقلها إلى بلد آخر ففي المذهب قولان: الجواز؛ لأنهم من أهل الصدقات - والثاني: عدم الجواز؛ لأن الزكاة حق واجب لأصناف البلد - فإذا نقل عنهم إلى غيرهم لا يجزئه ذلك.
وذهبت الحنبلية إلى أن الصدقة لا يجوز نقلها من بلدها إلى مسافة القصر واحتجوا بالخبر وهو ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: (أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) وهذا يختص بفقراء بلدهم، ولأن المقصود إغناء الفقراء بها فإذا نقلها أفضى ذلك إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين - على أنه لو خالف ونقلها إلى بلد آخر أجزأه ذلك - وهو قول أكثر العلماء 119.
الصنف السابع: {وفي سبيل الله} وفي ذلك تفصيل وخلاف بين العلماء، فالمراد بذلك عند أبي يوسف من الحنفية: فقراء الغزاة وهم المجاهدون - وقال محمد ابن الحسن الشيباني: المراد به منقطع الحاج - واحتج بما روي البخاري عن أبي لاس قال: (حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج) ولا تصرف الزكاة باتفاق الحنفية إلى أغنياء الغزاة، فإن مصرف الزكاة هم الفقراء؛ وذلك لما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن حنبل حين بعثه إلى اليمن: فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) وهذا يدل على أن الزكاة لا تصرف لأغنياء المجاهدين بل للفقراء 120.
أما الشافعية فذهبوا إلى أن سهم سبيل الله المذكور في الآية يصرف إلى الغزاة الذين لا حق لهم في ديوان السلطان بل يغزون متطوعين، واحتجوا من السنة بما أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو لغاز في سبيل الله، أو لغني اشتراها بماله، أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني أو غارم) وبذلك فإنه يعطي المجاهد سواء كان غنيا أو فقيرا، ويعطي ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والدابة وغير ذلك من أسباب الحرب - على أنه يعطي الدين يتطوعون للجهاد وليس لهم أرزاق مرتبة في الديوان - أما الغزاة المرتبون في ديوانه السلطان ولهم فيه حق: فلا تعطون من الزكاة من غير خلاف في المذهب 121.
وذهبت المالكية إلى أن المراد بهذا الصنف الغزاة وموضع الرباط؛ فهم يعطون ما ينفقون في غزوهم سواء كانوا أغنياء أو فقراء 122 واحتجوا بما ٍأخرجه أبو داود عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني) .
أما الحنبلية فقالوا: إن المراد بقوله: {وفي سبيل الله} : الحج - وبذلك يعطي هذا السهم للحجاج والعمار - وهو قول الحسن وإسحق - وقال به محمد بن الحسن من الحنفية - واستدلوا على ذلك بقول أبي لاس: حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج.