فهرس الكتاب
والجيوب، جمع جيب، وهو الطوق، ومعناه النحر والصدر - فقد كان نساء الجاهلية يضربن؛ أي يشددن خمرهن من خلف رؤوسهن فكانت تنكشف جيوبهن وهي نحورهن وقلائدهن - فأمر الله نساء المؤمنين أن يشددن مقانعهن على الجيوب ليغطين بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط بذلك من شعر وزينة كالحلي في الأذن والنحر - وقد روى البخاري عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله (وليضربن بخرمهن على جيوبهن) شققن مروطهن فاختمرن بها.
ويسأل بعض الناس عن الحكمة في تشريع اللباس الساتر للنساء - اللباس الشرعي الفضفاض الذي يغطي جسد المرأة كله بدءا - بمفرق الشعر في الرأس حتى نهاية الأخمصين من القدمين كيلا يظهر من جسدها غير الوجه والكفين - وفي نفس الوقت لم يؤمر الرجال بستر أجسادهم جميعها إلا ما بين السرة والركبة - وقد يتصور بعض الظانين بالله ظن السوء أن تشريع اللباس للناس في صفته المشروعة يتضمن حرجا لهن أو تضييقا عليهن فضلا عما في ذلك من تمييز للرجال ومحاباة لهم.
فليس الأمر كما يتصوره هؤلاء الظانون الخاطئون - إنه ليس من تمييز للرجال ولا محاباة لهم على حساب النساء البتة - بل إنما التفضيل بين الناس جميعا، أساسه التقوى دون غيره من الاعتبارات والمعايير - وعلى هذا فإن أتقى الناس وأخشاهم لله وأسرعهم لطاعته لهو الأفضل في ميزان الله سواء كان المفضل من الذكور أو الإناث (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) .
وإنما الحكمة التي تكمن في تشريع اللباس لهن ما يعلمه الله من حقيقة البشر وحقيقة فطرتهم وطبائعهم المختلفة (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) الله يعلم ما بين الذكور والإناث من تفاوت في مدى الإثارة الجنسية ومدى الاستجابة للإغراء والفتنة - والله كذلك يعلم سرعة الهيجان في الغريزة لدى الرجال - فغريزتهم الحيوانية هذه لشد ما تشيط وتتهيج وتشب إذا ما استنفرتها ظواهر الإغراء في مفاتن النساء - فإنه في الوقت الذي تنفر فيه المرأة وتشمئز أو تتقزز من رؤية الرجال العراة، فإن الرجل على عكس ذلك تماما؛ فإنه يتفجر فيه بركان الغريزة ويضطرب لرؤية النساء الكاسيات العاريات - وبذلك فإن الرجال ينفعلون ويتململون ويهيجون بقدر ما يجدونه من فتنة النساء وإغرائهن - ويتضح ذلك في الكشف عن أجسادهن ومواطن الزينة في أبدانهن بما تثور بسببه بواعث الغريزة عند الرجال - فبات من الضرورة حجب هذه المفاتن والمحاسن المغرية عن أنظار الرجال - فكان تشريع اللباس الساتر للنساء.
قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) الآية.
بعد أن نهى عن إظهار الزينة للرجال الأجانب استثنى من ذلك اثني عشر صنفا لا يحرم عليهم النظر إلى النساء وهم:
الصنف الأول: البعولة - لقوله تعالى: (إلا لبعولتهن) والبعولة جمع ومفرده البعل، وهو الزوج 41.
الصنف الثاني: الآباء - لقوله تعالى: (أو آبائهن) ويشمل ذلك الآباء وإن علوا، من جهة الذكران والإناث - كآباء الآباء وآباء الأمهات.
الصنف الثالث: آباء البعولة - لقوله تعالى: (أو آباء بعولتهن) .
الصنف الرابع: الأبناء - لقوله تعالى: (أو أبنائهن) الابن والأب أحق الأقارب من جهة المحرمية بالاطلاع على الزينة الباطنة - وذلك من أجل البغضية القائمة بين المرأة وكل من أبيها وابنها.