هذه هي فروض الوضوء، وهي أركانه الأربعة، وهي غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين، مرة واحدة لكل عضو - ذلك أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ الماء - وأن الاثنين أو الثلاث مندوب إليها، لما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا، ولأن الأمر بالوضوء لا يقتضي إلا الفعل مرة مرة - يضاف إلى ذلك من السنن غسل الكفين والمضمضة والاستنثار ثلاثا لكل عضو - ثم مسح الأذنين مرة، وذلك من السنة وهو قول الشافعية وبعض المالكية، خلافا للحنفية، إذ قالوا مسح الأذنين فرض إلا أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد - وقيل: يجدد لهما الماء.
أما النية فهي شرط من شروط الوضوء - وهو قول الشافعية والمالكية والحنابلة وأهل الظاهر - وحجتهم أن الوضوء عبادة محضة وهي غير معقولة المعنى فلا تصح إلا بالنية لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} ولقوله صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات".
وذهبت الحنفية إلى أن النية ليست شرطا لصحة الوضوء - ووجه ذلك أن الوضوء عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة فهو بذلك عبادة ونظافة فلا يفتقر إلى النية.
أما ترتيب أفعال الوضوء فقد قيل: إنه سنة - وهو قول الحنفية والمالكية وأهل الظاهر - وقال آخرون إنه فرض، وهو قول الشافعية والحنابلة - ومثار الخلاف هو وضع الواو العاطفة في الآية - فمن قال: إن واو العطف في الآية تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب - ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه وثمة سبب آخر في اختلافهم وهو اختلاف في أفعاله صلى الله عليه وسلم، هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب؟ فمن حملها على الوجوب قال: بوجوب الترتيب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرو عنه أنه توضأ قط إلا مرتبا - وحملها على الندب قال: إن الترتيب سنة وليس فرضا.
أما الموالاة في أفعال الوضوء فهي عند الإمام مالك ما لم يكن ناسيا أو غير قادر - بخلاف الحنفية والشافعية قالوا: الموالاة ليست فرضا - وسبب الخلاف فهمهم لواو العطف في آية الوضوء - فمن قال: إنها يعطف بها الأشياء المتتابعة المتلاحقة المتراخية بعضها عن بعض قال: بعدم وجوب الموالاة.
أما التسمية في الوضوء فهي سنة وهو قول أكثر العلماء - وقال أحمد وإسحاق: التسمية فرض حتى لو تركها متعمدا بطلت الطهارة - والصحيح كونها سنة، لأن التسمية غير مذكورة في الآية وقد حكم بحصول الطهارة من دونها.
أما الاستنجاء فليس واجبا عند الحنفية استنادا إلى هذه الآية، لأنه ذكر الوضوء في الآية ولم يذكر الاستنجاء - ولو كان واجبا لكان أول ما بدأ به في الآية، وقالوا إنما تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي وهو الذي على هيأة المثقال قياسا على فم المخرج.
وقالت الشافعية وآخرون من أهل العلم: بوجوب الاستنجاء، استنادا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في صاحبي القبرين:"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله"ولا يعذب إلا على ترك الواجب 39.
وثمة مسألة وهي المسح على الخفين - وهو جائز عند جمهور الفقهاء ولم ينكره غير الشيعة والخوارج، ورواية عن مالك في إنكاره مطلقا - والصحيح جواز المسح على الخفين لمن لبسهما ورجلاه طاهرتان بطهارة الوضوء - وحجتهم في الجواز ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم"مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية".