الكفارة من الكفر - بالفتح - بمعنى الستر والتغطية - سمي الليل المظلم كافرا، لأنه يستر بظلامه كل شيء - وسمي الكافر بهذا الاسم، لأنه يستر نعمة الله أي يجحدها - ويطلق الكافر على الزارع، لأنه يغطي البذر بالتراب - والكفار يراد بهم الزراع - قال الله سبحانه: {كمثل غيث أعجب الكفار} .
والكفارة في الشرع تعني الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة - أي تسترها 184.
على أن أصناف الكفارة لليمين أربعة هي: الإطعام والإعتاق ثم الصيام بعد ذلك.
والحالف إذا حنث بيمينه كان له الخيار بين الإطعام والكساء والإعتاق - فواحد من هذه الخيارات يجزئ في التكفير عن الحنث في اليمين فإذا لم يستطع أن يكفر بواحد من هذه الخيارات كان له أن يصوم أياما ثلاثة - ويستفاد ذلك من قوله في الآية {أو} فإنها تفيد التخيير بين أن يطعم أو يكسو أو يعتق رقبة - قال ابن عباس في معنى {أو: ما في كتاب الله أو} فهو مخير فيه - على أنه لا يجوز للحانث أن يكفر بالصيام إلا بعد العجز عن الخيارات الثلاثة الأولى - وذلك لقوله: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} .
قوله: {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} ويشترط في المساكين الذين يطعمون تحقق أربعة شروط وهي: الحاجة والحرية والإسلام وأن يكونوا من الأباعد.
أما الحاجة فهي أن يكون المسكين فقيرا معوزا محتاجا للصدقة ونحوها.
وأما الحرية فهي أن يكون المساكين أحرارا، فلا تجزي الكفارة في العبيد، لأن في دفعها لهم مظنة الدفع لمالكيهم.
وأما الإسلام فهو شرط آخذ الكفارة - فلا يجزي أداؤها غير المسلمين وإن كانوا فقراء، وإنما تضطلع الدولة الإسلامية بإعطاء غير المسلمين ما يكفيهم من بيت المال من غير الزكاة ولا الكفارات - وهو مذهب الجمهور - خلافا للحنفية، إذ قالوا بجواز دفعها لهم استنادا إلى عموم الآية، ولأن المسكين غير المسلم معتبر من أهل دار الإسلام فهو في ذلك كالمسلم.
وأما اشتراط البعد، وهو أن يكون الآخذون من الأباعد غير المنفق عليهم وجوبا وهم الأصول والفروع والزوجات فهؤلاء لا يعطون من كفارة اليمين - قال الشافعي في هذا الصدد: ويعطي الكفارات والزكاة كل من لا تلزمه نفقته من قرابته وهم من عدا الوالد والزوجة - وإن كان ينفق عليهم متطوعا أعطاهم - وهو قول أكثر العلماء 185.
أما مقدار ما يعطاه الواحد من المساكين العشرة فقد تبين في الآية مجملا غير مفصل وهو قوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} فموضع الاستدلال هنا قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} فقد اختلفت كلمة العلماء في مقدار الطعام - فقد قيل: يجزي في الخبز والتمر، أو الخبز والزيت، أو الخبز والسمن - أو الخبز واللحم - وقيل: أفضل الإطعام الخبز واللحم - وأوسطه الخبز والسمن وأخسه الخبز والتمر.
وجملة القول في ذلك أن يغذي كل مسكين من العشرة أو يعشيه فيقدم له من الطعام من أوسط ما يطعمه المرء أهله - والأوسط هو الأقصد في النوع أو المقدار.
وهو عند الشافعية والمالكية والحنبلية وآخرين مد من حنطة لكل مسكين - وإن كان أهل البلد يقتاتون صنفا من الطعام وهو لهم عرف، أجزأ صرف الكفارة منه، وذلك كأن يكون قوتهم الذرة أو الأرز أو التمر أو الزبيب - أما عند الحنفية فمقدار الكفارة نصف صاع من حنطة أو دقيق أو صاع من شعير أو تمر.
وأما إعطاء القيمة عن مقدار الكفارة فلا يجوز عند جمهور الشافعية والمالكية والحنبلية، خلافا للحنفية، إذ قالوا بجواز إعطاء القيمة عن الكفارة 186.