فهرس الكتاب

الصفحة 1002 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ } ؛ أي خَلَفَ مِن بعد هؤلاءِ الذين قطَّعناهم في الأرضِ ذرِّيةُ سُوءٍ ، وهم الذين أدرَكَهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، قال ابنُ الأعرابي: (الْخَلَفُ بفَتْحِ اللاَّمِ الصَّالِحُ ، وبإسكانِ اللام الطَّالِحُ) ، قال لَبيدٌ: ذهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أكْنَافِهِمْ وَبَقِِيْتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبومنهُ قيلَ لرَدِّ الكلامِ خِلْفٌ ، ومنه المثلُ السائر (سَكَتَ ألْفًا وَنَطَقَ خَلْفًا) ، قال النَّضِرُ بنُ شُمَيلٍ: (الْخَلَفُ بِفَتْحِ اللاَّمِ وَإٍسْكَانِهَا فِي الْقَرْنِ السُّوءِ ، وَأَمَّا الْقَرْنُ الصَّالِحُ فَتَحْرِيكُهَا لاَ غَيْرَ ، قَالَ الشَّاعِرُ: إنَّا وَجْدَنَا خَلْفَنَا بئسَ الْخَلْفِ عَبْدًا إذا مَا نَاءَ بالْحِمْلِ خَضَفْوقال محمَّد بن جرير: (أكْثَرُ مَا جَاءَ فِي الْمَدْحِ بفتحِ اللاَّمِ ، وَفِي الذمِ بِتَسْكِينِهَا ، وقد تُحرَّكُ في الذمِّ ويُسَكَّنُ في المدحِ. قال حسَّانٌ في المدحِ: لَنَا الْقَدَمُ الأُوْلَى إلَيْكَ وَخَلْفُنَا لأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تَابعُقال:(وَأحْسَبُهُ فِي الذمِّ مَأْخوذٌ مِنْ خَلْفِ اللَّبَنِ إذا حَمِضَ مِنْ طُولِ تَرْكِهِ فِي السِّقَاءِ حَتَّى يَفْسَدَ ، وَِِِِمِنْهُ قَوْلُهُم: خَلْفُ فَمِ الصَّائِمِ ؛ إذا تَغَيَّرَتْ ريحُهُ وَفَسَدَتْ ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ الْفَاسَدَ مُشَبَّهٌ بهِ) . والحاصلُ أنَّ كُلًا منهما يُستعملان في الشرِّ الخيرِ ، إلاَّ أنَّ أكثرَ الاستعمالِ في الخيرِ بالفتح.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَرِثُواْ الْكِتَابَ } أي التَّوراة ، والميراثُ ما صارَ للباقي من جهةِ البَادِي كأنه قال فخَلَفَ من بعدِ الهالِكين منهم خَلْفٌ وَرُثوُا الكتابَ. وقولهُ تعَالى: { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـاذَا الأَدْنَى } ؛ يعني به أخْذُ الرَّشوةِ في الْحُكمِ ؛ لتغيِّر الحقَّ إلى الباطلِ. وقال بعضُهم: كانوا يحكِمُون بالحقِّ لكن بالرَّشوة ، وإنما سُمي متاعُ الدنيا عَرَضًا لقلَّة بقائهِ كأنه يعرضُ فيزول. قَالَ اللهُ تَعَالَى: { هَـاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } [الأحقاف: 24] أرادَ بذلك السَّحابَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } ؛ أي يقولون مع أخذِهم الرَّشوة أنه سيُغفَرُ لنا ذلك ، وما عمِلناهُ باللَّيل كُفِّرَ عنا بالنهار ، وما علمناهُ بالنهار كُفِّرَ عنا بالليلِ ، { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } ؛ معناهُ: وإنْ عرضَ لهم ذنبٌ آخر عَمِلُوهُ ، وفي هذا بيانُ أنَّهم كانوا يُصِرُّونَ على الذنب وأكلِ الحرام ، وكانوا يستَغفِرُونَ مع الإصرار ، فكيف يُغفَرُ لهم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ } ؛ معناهُ: ألَمْ يُؤخذ عليهم الميثاقُ في التَّوراةِ ألاَ يقولوا على اللهِ إلا الصِّدقَ ، وكان في التوراةِ أنَّ مَن ارتكبَ ذنبًا عظيمًا لَمْ يُغفر له بالتوبةِ ، { وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } ؛ فكانوا يدرسون ما في التَّوراةِ ، ويذكرون ما أُخذ عليهم من المواثيقِ ، يقولون مع إصرارِهم على الذُّنوب: سيُغفَرُ لنا.

وقال الحسنُ: (مَعْنَى الآيَةِ أنَّهُمْ كَانُواْ يَأْخُذُونَ الدُّنْيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حُرِّمَ عَلَيهِمْ وَيُمْنَعُونَ كُلَّ حَقٍّ ، وَيُنْفِقُونَ فِي كُلِّ سَرَفٍ ، وَيَتَمَنَّونَ مَعَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ ، وَيَقُولُونَ: سَيُغْفَرُ لَنَا ، وإنْ يأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ كَمَا أخَذُوأْ ، ألَمْ يَعْرِفُواْ فِي الْكِتَاب خِلاَفَ مَا هُمْ عَلَيْهِ) . وقرأ السلميُّ: (وَادَّارَسُوا فِيْهِ مِثْلَ ادَّارَكُواْ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } ؛ أي يتَّقونَ المعاصي والشِّرك وأكلِ الحرامِ ، { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ؛ ما يَدرُسون في كتابهم ، وَقِيْلَ: أفلاَ يعقِلُونَ أن الإصرارَ على الذنب ليس من علامةِ المغفور لَهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت