قَوْلُهُ تَعَالَى: { دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً } ؛ هذا بدلٌ من قولهِ تعالى (أجْرًا) أو صفةٌ له ؛ وهو موضع نصبٍ. وعن ابن مُحَيْرِيْزِ أنهُ قال: (فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِيْنَ عَلَى الْقَاعِدِيْنَ سَبْعِيْنَ دَرَجَةً ؛ بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيْرَةَ سَبْعِيْنَ خَرِيْفًا لِلْجَوَادِ الْمُضَمَّرِ) .
قولهُ: { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } ؛ أي غَفُورًا لذنب مَن جاهدَ ، رَحِيْمًا إذ ساوَى في وعدِ الْحُسنى بينَ مَن له العذرُ وبين مَن جاهدَ.
فإنْ قِيْلَ: كيفَ ذكرَ التفضيلَ في هذه الآية بدرجاتٍ ، وفي الآيةِ التي قبلها بدرجةٍ ؟ قُلْنَا: قالَ بعضُهم: أراد بذكرِ الدرجَة في الآيةِ الأُولى: الفضيلةَ والكرامةَ في الدُّنيا ، وبذكرِ الدرجاتِ درجاتِ الجنَّة منال في النَّعيمِ ، بعضُها أعلى من بعضٍ ، وذكرَ المغفرةَ لبيانِ خُلُوصِ نعيمِهم عنِ الكَدَر ، كما رويَ في الخبرِ: (أنَّ اللهَ يُنْسِيْهِمْ فِي الْجَنَّةَ مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الذُّنُوب فِي الدُّنْيَا حَتَّى لاَ يَلْحَقَهُمُ الْحَيَاءُ) ، وذكرَ الدرجةَ لبيانِ أنَّ اللهَ أعطاهُم ذلكَ النفعَ العظيم على جهةِ النِّعْمَةِ مع ما يضافُ إليه من الفضلِ بالزيادة في النِّعْمةِ. وقال بعضُهم: أرادَ بالتفضيلِ في الدرجةِ في الآية الأُولى تفضيلَ الْمُجَاهِدِيْنَ على القاعدينَ المعذورينَ ، وبالآيةِ الثانية تفضيلَهم على القاعدين الذين لا عُذْرَ لَهم.