قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } ؛ أي هو أعلمُ بعمَلِكم ، وبما تستحقُّون مِن العذاب ، وبوقتِ الاستحقاق ، فيُنْزِلُ بكم العذابَ على ما توجِبُ الحكمةُ ، { فَكَذَّبُوهُ } ؛ أي كذبُوا شُعيبًا بعد ظهورِ الْحُجَّةِ ، { فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ } ؛ انشأَ اللهُ سحابةً عليهم حتى أظلَّتْهُم في يومِ حرٍّ شديدٍ ، فاجتمَعُوا تحتَها مُستَجِيرِينَ بها بما نالَهم من الحرِّ ، فأطبقَتْ عليهم وأمطرَتْ عليهم نارًا فأهلَكَتْهم.
قال المفسِّرون: وذلكَ أن اللهَ تعالى كان قد حَبَسَ عليهم الرِّيحَ سبعةَ أيَّامٍ ، وسَلَّطَ عليهم الحرَّ حتى أخذ بأنفَاسِهم ولَم ينفعهم ظِلٌّ ولا ماءٌ ، وكانوا يدخلون الاسراب ليَبْرَدُوا فيها ، فإذا دخَلُوها وجدوها أشَدَّ حَرًّا من الظاهرِ ، فدخَلُوا أجوافَ السِّرب ، فدخَلَ عليهم الحرُّ وأخذ بأنفاسِهم ، فخرَجُوا هاربينَ الى البَرِّيَّةِ ، فبعثَ اللهُ عليهم سحابةً أظلَّتْهُم من الشَّمسِ فوجدُوا لَها بَرْدًا ونَسِيمًا ، فنادَى بعضُهم بعضًا حتى اجتمَعُوا كلُّهم تحتَها ، فأمطَرَتْ عليهم نَارًا فاحترَقُوا ، فكان مِن أعظمِ يوم في الدُّنيا ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .
والظُّلَّةُ: هي السَّحَابةُ التي أظلَّتْهم. قال قتادةُ: (بَعَثَ اللهُ شُعَيْبًا إلَى أُمَّتَيْنِ: أصْحَابُ الأَيْكَةِ وَأهْلُ مِدْيَنَ ، فَأَمَّا أصْحَابُ الأَيْكَةِ فَأُهْلِكُواْ بالظُّلَّةِ ، وَأمَّا أهْلُ مِدْيَنَ فَأُهْلِكُواْ بالصَّيْحَةِ ، صَاحَ بهِمْ جِبْرِيْلُ فَهَلَكُواْ جَمِيْعًا) .