فهرس الكتاب

الصفحة 872 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ } ؛ أي وَزْنُ الأعمالِ يومَ القيامة الحقُّ ؛ لا يُنْقَصُ من إحسان مُحْسِنٍ ؛ ولا يُزَادُ على إساءَةِ مُسِيْءٍ. وقال مجاهدُ: (مَعْنَاهُ: وَالْقَضَاءُ يَوْمَئِذٍ الْعَدْلُ) .

قولهُ: { فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ؛ أي مَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ على سيِّئاتِه فأولئكَ همُ الظَّافِرُون بالمرادِ ، { وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } أي رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ على حسناتهِ ، { فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم } عَمَواْ حَظَّ أنفسِهم ، { بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ } ؛ أي بما كانوا بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم يَجْحَدُونَ. فَالْخُسْرَانُ: ذهَابُ رَأسِ الْمَالِ ؛ ورأسُ مالِ الإنسان نفسُه ؛ فإذا هَلَكَ بسوءِ عمله فقد خَسِرَ نفسَه.

وقد تكلَّموا في ذِكْرِ الموازينِ يومَ القيامة ؛ قال ابنُ عبَّاس:(تُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فِي مِيْزَانٍ لَهُ لِسَانٌ وَكَفَّتَان تُوضَعُ فِيْهِ أعْمَالُهُمْ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنَ فَيُؤْتَى بعَمَلِهِ فِي أحْسَنِ صُورَةٍ ؛ فَيُوضَعُ فِي كَفَّةِ الْمِيْزَانِ ؛ فَتَثْقُلُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ ؛ فَيُوضَعُ عَمَلُهُ فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ مَنَازِلهِ ؛ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: إلْحَقْ بعَمَلِكَ ؛ فَيَأْتِي مَنَازِلَهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَعْرِفُهَا بَعمَلِه.

وَأمَّا الْكَافِرُ ؛ فَيُؤْتَى بعَمَلِهِ فِي أقْبَحِ صُورَةٍ ؛ فَيُوضَعُ فِي كَفَّةِ الْمِيْزَانِ ؛ فَيَخِفُّ - وَالْبَاطِلُ خَفِيْفٌ - ثُمَّ يُرْفَعُ فَيُوضَعُ فِي النَّارِ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: إلْحَقْ بَعَمِلكَ ؛ فَيَلْحَقُ فَيَأْتِي مَنَازِلَهُ فِي النَّار).

وَقِيْلَ: إنَّ المرادَ بالعملِ في هذا الخبرِ أنَّ الله يجعلُ للحسناتِ صورةً حسَنةً ؛ وللسيِّئاتِ صورةً قبيحةً ، إلاَّ أن عَيْنَ الأعمالِ تُوزَنُ ؛ لأنَّ الأعمال أعراضٌ مُنْقَضِيَةٌ لا تُعَادُ. وقال ابنُ عمر: (يُؤْتَى بصُحُفِ الطَّاعَاتِ وَصُحُفِ الْمَعَاصِي ، فُتُوزَنُ الصُّحُفْ) .

وعن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ:"يُؤْتَى بالْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى الْمِيْزَانِ ، ثُمَّ يُؤْتَى بتِسْعَةٍ وَتِسْعِيْنَ سِجِلًا ؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَدَّ الْبَصَرِ ؛ فِيْهَا خَطَايَاهُ وَذُنُوبُهُ ؛ فَتُوضَعُ فِي كَفَّةِ الْمِيزَانِ ، ثُمَّ تُخْرَجُ بطَاقَةً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ بمِقْدَار أنْمُلَةٍ ؛ فِيْهَا شَهَادَةُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ فَتُوضَعُ فِي الْكَفَّةِ الأُخْرَى. فَيَقُولُ الْعَبْدُ: يا رَب ؛ مَا تَزِنُ هَذِهِ الْبطَاقَةُ مَعَ هَذِه الصَّحَائِفِ؟! فَيَأْمُرُ اللهُ أنْ تُوضَعَ ؛ فإذا وُضِعَتْ فِي الْكَفَّةِ طَاشَتِ الصُّحُفُ وَرَجَحَتِ الْبطَاقَةُ"

وقول بعضُهم: يُوزَنُ الإنسانُ ، كما قال صلى الله عليه وسلم:"يُؤْتَى بالرَّجُلِ الأَكُولِ الشَّرُوب الْعَظِيْمِ فَيُوزَنُ ؛ فَلاَ يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ؛ إقْرَأوا إنْ شِئْتُمْ: { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } " [الكهف: 105] .

وأما ذِكْرُ الموازينِ بلفظ الجماعة ؛ فلأنَّ الميزانَ يشتملُ على الكفَّتين والخيوطِ والشاهدين. فإن قِيْلَ: ما الحكمةُ في وزنِ الأعمال ، واللهُ قادرٌ عالِمٌ بمقدار كلِّ شيء قبلَ خَلْقِهِ إيَّاهُ وبعدَه ؟ قِيْلَ: لإقامةِ الحجَّة عليهم ، ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية: 29] فأخبرَ بنسخِ الأعمال وإثباتِها مع عِلْمِهِ بها لِما ذكرنا. وَقِيْلَ: الحكمةُ فيه تعريفِ الله العبادَ ما لَهم عندهُ من جزاءٍ على الخير والشرِّ. وَقِيْلَ: جعلهُ الله علامةً للسعادة والشقاوَةِ. وَقِيْلَ: لامتحانِ الله عبادَهُ بالإيْمان به في الدُّنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت