قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ } ؛ إتْمامهما أن تُحرم بهما من دُوَيرَةِ أهلِكَ. وَقِيْلَ: إتمام العمرةِ إلى البيت ، وإتمامُ الحج إلى آخرِ الحجِّ كله. وَقِيْلَ: إتْمامُهما أن تكون النفقةُ حلالًا وينتهي عن جميع ما نَهى الله عنه ؛ ويأتِي بجميع ما شَرَعَ اللهُ من المشاعرِ والمواقف. وَقِيْلَ: أتِمُّوا الحجَّ والعمرة من المواقيت. { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } ؛ أي إن مُنِعْتُمْ مِن البيتِ بعدما أحرمتم بحجٍّ أو عُمرةٍ ؛ فأردتُم الإحلالَ فعليكم مما تَيَسَّرَ من الْهَدْيِ.
قال ابنُ عبَّاس: (أعْلاَهُ بَدَنَةٌ ؛ وَأَوْسَطُهُ بَقَرَةٌ ؛ وَأدْنَاهُ شَاةٌ ، يَبْعَثُ الْمُحْصِرُ بهَا إلَى مَكَّةَ وَيُوَاعِدُهُمْ الْيَوْمَ الَّذِي يَذْبَحُوهُ عَنْهُ. فَإذَا ذُبحَ عَنْهُ حَلَّ وَرَجَعَ إلَى أهْلِهِ. ثُمَّ يَقْضِي مَا كَانَ أحْرَمَ بهِ) .
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } ؛ أي لا يحلقُ أحدكم رأسَه ولا يحل من الإحرام حتى يبلغَ الهديُ الحرمَ ؛ أي حتى يعلمَ أن الهدي قد ذُبح عنه في الحرم.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } ؛ أي مَن كان مريضًا من الْمُحْرِمِيْنَ ؛ مُحْصَرِيْنَ أو غير مُحْصَرِيْنَ ، فلم يستطعِ الإقامةَ على شروطِ الإحرام ، فعجَّل وفعلَ شيئًا مما يفعلهُ الحلال قبل أن يُنحر عنه الْهَدْيُ ، { أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ } ؛ أي أو كان في رأسهِ قملٌ يؤذيهِ لا يستطيع أن يصبرَ عليه ، فحلقَ رأسَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ } ؛ أي فَعليه فداءُ ما صنعَ صيامَ ثلاثة أيام ، { أَوْ صَدَقَةٍ } ؛ على ستَّةِ مساكين ؛ لكل مسكينٍ نصفُ صاع من بُرٍّ أو صاع من تَمر ، أو صاع من شعير ، { أَوْ نُسُكٍ } ؛ أي شاةٍ يذبحُها في الحرم.
"روي عن كعب بن عجرة: أنه قال: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيَّ ؛ مَرَّ بي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي ، فَقَالَ له: [أتُؤْذِيْكَ هَوَامُّ رَأسِكَ؟] قُلْتُ: نَعَمْ ، قَال: [احْلِقْ رَأسَكَ وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِيْنَ ؛ لِكُلِّ مِسْكِيْنٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ ، أوْ صُمْ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ ، أوْ أُنْسُكْ بنُسَيْكَةٍ] ".
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } ؛ أي فإذا أمنتم الموانعَ من المرض والعدوِّ وكل مانع. ويقال: في الآية إضمارٌ تقديره: فإذا أمنتم من العدوِّ وبرئتم من المرضِ ، فاقضوا ما كنتم أحرمتم به قبلَ الإحصار من حجِّ أو عمرةٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ } أي من بدأ بالعمرة في أشهر الحجِّ ؛ وأقامَ بمكة في عامه للحجِّ ؛ فحج من غيرِ أن يرجِعَ إلى أهله ؛ فَعليه ما تيسَّر من الهدي. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } ؛ أي فمَن لَم يجدِ الهديَ ولا عنه ؛ فعليهِ صيامُ ثلاثة أيام في الحجِّ يصومها قبل يوم النَّحرِ متتابعات ومتفرِّقات ؛ وصيامُ سبعةِ أيَّام إذا رجعَ إلى أهلهِ.