قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا } ؛ أي رجعَ مُوسَى من الجبل إلى قومهِ شديدَ الغضب حَزِينًا ، { قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي } ؛ فَعَلْتُمْ خَلْفِي في غَيبَتِي بعبادةِ العجل ، { أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ } ؛ معناهُ: أسْتَبْطَأْتُمْ وعدَ ربكم الذي وعدَ في أربعين ليلةٍ ، { وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ } ؛ مِن يده التي كانت فيها التوراةُ وألقاها من يدهِ ، { وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (أخَذ رَأسَهُ بيَدِهِ الْيُمْنَى وَلِحْيَتَهُ بيَدِهِ الْيُسْرَى) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي } ؛ أي قَهَرُونِي واستذلُّونِي وهَمُّوا بقتلِي ، وكان هارون أخاهُ لأبيهِ وأُمِّهِ ولكنَّهُ قال (يَا ابْنَ أُمَّ) لِتَرَفُّقِهِ عليه ، وعلى هذه طريقةُ العرب.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَآءَ } ؛ لا تُفَرِّحْهُمْ عليَّ ولا تظُنَّ أنِّي رضيتُ بفعلِ القوم الظالمين ، { وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ؛ فلا تجعَلني مع عَبَدَةِ العجلِ في الغضب عليَّ ، وكان هارونُ أكبرَ من موسى بثلاثِ سنين ، وأحبَّ إلى بني إسرائيلَ من موسى.
قرأ ابنُ عبَّاس والكوفيُّون إلاَّ حفصًا (يَا ابْنَ أُمِّ) بكسرِ الميم هُنا ، وفي طه فحَذفُوا ياءَ الإضافةِ ؛ لأنَّ مَبْنَى النداءِ على الحذفِ ، وبقِيَتِ الكسرةُ على الميمِ دَليلًا على ياءِ الإضافةِ كقولهِ (يَا عِبَادِ ، وَيَا قَوْمِ) ، وقرأ ابنُ السُّمَيقِعِ (يَا ابْنَ أُمِّي) باثباتِ الياء ، وقرأ الباقون بفتحِ الميمِ على معنى يا ابنَ أُمَّاهُ.
وقولهُ تعالى: { اسْتَضْعَفُونِي } بعبادةِ العجلِ ، وقولُه تعالى: { فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَآءَ } ، قرأ مجاهدُ ومالكُ بن دينارٍ: (فَلاَ تَشْمَتْ) بفتح التاءِ والميم ، ورفعِ (الأَعْدَاءُ) ، والشَّماتَةُ هي سرورُ العدوِّ.
فإنْ قِيْلَ: لِمَ جازَ لموسى أن يُجرَّ برأسِ هارون ولحيتهِ ، والانبياءُ لا يجوز لأحدٍ أن يستخفَّ بهم ، وكان هارونُ نبيًّا ؟ قِيْلَ: إنَّ هذا كان منهُ على جهةِ العِتَاب لا على جهةِ الْهَوَانِ. وَقِيْلَ: لأنه أجراهُ مجرَى نفسهِ من حيث أنَّهما كاناَ في النبوَّةِ والأُخوَّةِ كالنفسِ الواحدة ، وقد يقبضُ الإنسانُ عند الغَيْظِ على لحيةِ نفسه ، ويعُضُّ إبْهامَيْهِ وشَفَتيه ، كما رُوي (أنَّ عُمَرَ رضي الله عنه كَانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَتَلَ شَاربَهُ) .
إلاَّ أنَّ هارونَ خافَ أن يتوهَّم جُهَّالُ بني إسرئيل أنَّ موسى غضبانٌ عليه كغَضَبهِ على مَن عَبَدَ العجلَ ، فقالَ: { ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي... } الآية. وَقِيْلَ: إنَّ موسى فَعَلَ هذا بهارون في حالةِ الغضب التي لا يملكُ الإنسانُ فيها نفسَهُ ، وكان ذلك صغيرةً منه ، كما ألقَى الألواحَ لشدَّة الغضب ، وكان الواجبُ عليه أن يُعَظِّمَها.