قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } ؛ أي لا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ الذي لا أبَ لهُ إلا لِحِفْظِهِ وتَمييزه وإصلاحِه ، { حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } . قال الشعبيُّ: (هُوَ بُلُوغُ الْحُلُمِ ؛ حَيْثُ تُكْتَبُ الْحَسَنَاتُ وَتُكْتَبُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ) .
وقال السُّدِّيُّ: (الأشَدُّ: أنْ يَبْلُغَ ثَلاَثِيْنَ سَنَةً) . وقال الكلبيُّ: (مَا بَيْنَ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً إلَى ثَلاَثِيْنَ سَنَةً) . وجعل أبُو حَنِيْفَةَ غَايَةَ الأَشُدِّ: (خَمْسًا وَعِشْرِيْنَ سَنَةً ؛ فَإذا بَلَغَهَا دَفَعَ إلَيْهِ مَالَهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْتُوهًا) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ } ؛ أي أتِمُّوا الكَيْلَ والوزنَ بالعدلِ عند البيعِ والشِّراء ، { لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } ؛ أي إلاَّ طاقَتَها وجَهْدَهَا. وهذه الآيةُ أصلٌ في جواز الاجتهاد في الأحكامِ ، وإنَّ كلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيْبٌ ؛ فإذا اجتهدَ الإنسانُ في الكيلِ والوزن ، ووَقَعَتْ فيه زيادةٌ يسيرةٌ أو نقصان يسيرٌ لم يُؤَاخِذْهُ اللهُ به إذا اجتهدَ جهده ، وإنه اعتاد الكيل على ذلك فزادَ أو نقص أثبت التراجع إذا كان ذلك القدر من التفاوت مما يقع بين الكيلين.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } ؛ أي إذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا في الْمَقَالَةِ. قِيْلَ: معناه: قولوُا الحقَّ إذا شهدتُم وحكمتُم ولو كان المشهودُ عليه أُوْلِي قرابةٍ من الشاهد.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ } ؛ أي أتِمُّوا فرائضَ اللهِ التي أمرَكم بها ، كما قالَ تعَالى: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابَنِي ءَادَمَ } [يس: 60] . ويقال: أرادَ بالعهدِ في هذه الآية: النَّذْرَ واليمينَ ، كما قال تعالى: { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ } [النحل: 91] . قَوْلُهُ تَعَالَى: { ذالِكُمْ وَصَّـاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ؛ أي في هذا الذي ذكَرَهُ اللهُ لكم وأمرَكم اللهُ به في الكتاب لكي تتَّعِظُوا فَتَمْتَنِعُوا عنِ الْمُحَرَّمَاتِ.