قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { يَـاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } ؛ رُوي أن هَاتين الآيتَين نزلَتا بالحديبيةِ ، وكان أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مُحرِمين ، وكان الصيدُ من الوحشِ والطير يغشَى رحالَهم. وفي قوله { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } وجهانِ ؛ أحدُهما: وأنتم مُحرِمون بحجٍّ أو عُمرة ، والثاني: وأنتم داخِلون في الحرَمِ.
وقولهُ تعالى: { لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ } دليلٌ على أن كلَّ ما يقتلهُ المحرِمُ من الصيدِ لا يكون مِلكًا ؛ لأن اللهَ تعالى سَمَّى ذلك قَتلًا ، ولا يجوزُ أكلُ المقتولِ وإنما يجوز أكلُ المذبوحِ على شرط الذكاة.
والصيدُ في اللغة: اسمٌ لكل مُمتَنعٍ متوحِّش ، فلا يفرقُ الحكمِ في وجوب الحلِّ بين المأكولِ منه وبين غيرهِ ، إلا أنه رُوي عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه قالَ:"خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ ؛ وَالْعَقْرَبُ ؛ وَالْغُرَابُ ؛ وَالْفَأْرَةُ ؛ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ"وأرادَ بالكلب العقور: الذئبَ على ما وردَ في بعض الرواياتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } ؛ روي أنه نزلَ في كعب بن عمرٍو ؛ عُرِضَ له حمارُ وحشٍ فطعنَهُ برُمحهِ فقتلَهُ ، ولم يكن عَلِمَ بنُزولِ التحريمِ.
واختلَفُوا في صفةِ العمل الموجب للجزاءِ والكفَّّارة في قتلِ الصيد ، فقال الأكثَرون من أهلِ العلم: سواءٌ قَتَلَ الْمُحرِمُ الصَّيدَ عَمدًا أو خطأًَ فعليه الجزاءُ ، وجعلوا فائدةَ تخصيصِ العمل بالذِّكر في هذه الآيةِ ما في نَسخِها بقوله: { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } ؛ لأن المخطئَ لا يجوزُ أن يلحقه الوعيدُ.
والقول الثانِي: ما رُوي عن قتادةَ وطاووس وعطاء ؛ أنَّهم قالوا: (لاَ شَيْءَ عَلَى الْخَاطِئ) وهو روايةٌ عن ابنِ عبَّاس.
والقولُ الثالث: وهو قولُ مجاهدٍ والحسن: (أنَّ الْمُرَادَ بهِ إذا قَتَلَهُ نَاسِيًا لإحْرَامِهِ ، وَحَصَلَ الْقَتْلُ عَمْدًا) . وهذا القولُ يقتضي أن غيرَ العامدِ الذاكر لإحرامهِ لا يؤمَرُ بالكفَّارة ، ولكنَّ اللهَ يعاقبهُ في الآخرةِ على ما فعلَهُ. وعلى هذا التأويلِ قالوا: إنَّ معنى قولهِ: { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } أي عادَ إلى هذا الفعلِ من بعد العلمِ بالنهي ، كان عقوبتهُ النقمة ينتقمُ الله منه.
وقال آخَرون: هو القتلُ عَمدًا وهو ذاكرٌ لإحرامه ، فحُكم عليه في العمدِ والخطأ الكفارةُ والجزاء ، وهو اختيارُ الشافعيِّ. وقال الزهريُّ: (نَزَلَ الْقُرْآنُ بالْعَمْدِ ، وَجَرَتِ السُّنَّةُ بالْخَطَأ) . وقال ابنُ عبَّاس: (إنْ قَتَلَهُ عَمْدًا سُئِلَ: هَلْ قَتَلَ قَبْلَهُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ ؟ فَإنْ قَالَ: نَعَمْ ؛ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهُ ، وَيُقَالُ لَهُ: اذْهَبْ ، فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ، وَإنْ قَالَ: لَمْ أقْتُلْ قَبْلَهُ شَيْئًا ، حُكِمَ عَلَيْهِ ، فَإنْ عَادَ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ ثَانيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ بَعْدَمَا حُكِمَ ، وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ ثَانِيًا ، ويُمْلأُ بَطْنُهُ وَظَهْرُهُ ضَرْبًا وَجيعًا) . وعندَنا إذا عادَ حُكم عليه ثانيًا ، وعليه الجمهورُ.