قوله: { لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ } يعني أهلَ العهدِ الذين عاهَدُوا المؤمنين على تركِ القتالِ والْمُظَاهَرَةِ ، وهم خُزاعة ، { أَن تَبَرُّوهُمْ } ، والمعنى: لاَ ينهاكُم اللهُ عن برِّ الذين لم يُقاتِلُوكم ، وهذا يدلُّ على جواز البرِّ بأهلِ الذمَّة وإنْ كانت الموالاةُ منقطعةً.
ولذلك جوَّزَ أبو حَنيفة ومحمَّد صرفَ صدقةِ الفطرِ والكفَّارات والنُّذور الْمُطْلَقَةِ إليهم ، وأجْمَعُوا على جواز صرفِ صدقةِ التطوُّع إليهم ، وأجْمَعُوا على أنه لا يجوزُ صرفُ الزَّكَوَاتِ إليهم لقوله عليه السلام:"أُمِرْتُ أنْ آخُذ الصَّدَقَةَ مِنْ أغْنِيَائِكُمْ وَأرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ".
وقولهُ تعالى: { أَن تَبَرُّوهُمْ } في موضعِ خفضٍ بدلَ من { الَّذِينَ } كأنَّهُ قالَ عن أنْ تبَرُّوا الذين لم يُقاتِلُوكم ، وقوله تعالى: { وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } ؛ القِسْطُ إليهم أن نُعطِيَهم قِسْطًا من أموالِنا على جهة البرِّ ، ويقالُ: أقسطتُ إلى الرجُلِ اذا عامَلتهُ بالعدلِ ، قال الزجَّاج: (مَعْنَاهُ: وَتَعْدِلُوا فِيْمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْوَفَاءِ بالْعَهْدِ) .