فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } ؛ نزلت هذه الآية في ططوس بن استيسيانوس الرومي وأصحابهِ ؛ وذلك أنَّهم غَزَوا بني إسرائيل فقتلُوا مُقاتِليهم ؛ وسَبَوا ذراريهم ؛ وحرَقوا التوراةَ ؛ وخرَّبوا بيت المقدسِ وألقوا فيهِ الْجِيَفَ ؛ وذبَحوا فيه الخنازيرَ ، وكان خَرَابًا إلى أن بَنَاهُ المسلمونَ في أيام عمرَ رضي الله عنه. ولم يدخل بيتَ المقدس بعد عمارتِها رُومِيٌّ إلا خَائفًا مستخفِيًا لو عُلِمَ به لقُتِلَ.

وقال قتادة والسديُّ: (نَزَلَتْ فِي بَخِتْنَصِّرْ وَأصْحَابهِ غَزَوا الْيَهُودَ وَخَرَّبوُا بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَعانَهُمْ عَلَى ذلِكَ ططوس الرومِيُّ وأصحابُهُ النَّصَارَى مِنْ أهْلِ الرُّومِ ؛ وَذَلِكَ لِبُغْضِهِمُ الْيَهُودَ) . إلاَّ أنَّ هَذَا يُشْبهُ الْغَلَطَ ، وَالأول أظهرُ ؛ لأنه لا خلافَ أنَّ بختنصِّر قبلَ مولد عيسى عليه السلام بدهرٍ طويل ، والنصارى إنَّما ينتمون إلى عيسى عليه السلام ، فكيف يكونون مع بختنصر؟!

ومعنى الآية: { وَمَنْ أَظْلَمُ } أي ومَن أكفرُ عتيًا { مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ } يعني بيت المقدس ومَحَاريْبَهُ. وقوله: { أَن يُذْكَرَ } موضعُ (أن) نَصْبٌ على أنه مفعولٌ ثان ؛ لأن المنع يتعدى إلى مفعولين ، وإن شئتَ جعلته نصبًا بنَزع الخافض ؛ أي بأن يذكر.

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَسَعَى فِي خَرَابِهَآ أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ } ؛ وقال قتادةُ ومقاتل: (لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أحَدٌ مِنَ النَّصَارَى إلاَّ مُتَنَكّرًا مُسَارَقَةً لَوْ قُدِرَ عَلَيْهِ عُوقِبَ وَنُهِكَ ضَرْبًا) . قال السديُّ: (اخْتَفَواْ بالْجِزْيَةِ) . وقال أهل المعاني: هذا خبرٌ فيه معنى الأمرِ ، يقول: أجْهَضُوهُمْ بالجهادِ لئلا يدخلها أحد منهم إلا خائفًا من القتلِ والسبي.

قوله تعالى: { لَّهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } ؛ أي عذابٌ وهوان ؛ وهو القتل والسبي إن كانوا حربًا ، والجزية إن لم يكونوا حربًا. قوله تعالى: { وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ؛ وهو النار. قال عطاءُ: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ) .

وأرادوا بالمساجدِ: المسجدِ الحرام ؛ منعوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن ذكرِ الله فيه وصدُّوهم عنه عام الحُديبية ، فعلى هذا سعيُهم في خرابها هو المنعُ عن ذكرِ الله فيها ؛ لأن عمارةَ المساجد بإقامةِ العبادات فيها.

وقولهُ تعالى: { أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ } يعني أهلَ مكَّة ، يقول الله: أفتحُها عليكم حتى يدخلُوها ، ويكونوا أولَى بها منهم ، فَفَتَحَهَا اللهُ عليهم ، وأمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مناديًا ينادي:"ألاَ لاَ يَحُجَّنَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ ؛ وَلاَ يَطُوفَنَّ بالْبَيْتِ عَرْيَانٌ"فمُنعوا منها ، فهذا خوفُهم. { لَّهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } أي ذلٌّ وقتلٌ ونفيٌ { وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .

وَقِيْلَ: المرادُ بالآية: جميعَ الكفار الذين مَنَعوا المسلمين من المساجد. وكل موضع يُتَعَبَّدُ فيه فهو مسجدٌ ، قال عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ:"جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا"فعلى هذا تقديرُ { وَمَنْ أَظْلَمُ } الآية مِمَّنْ خالفَ مِلَّةَ الإسلام ؛ { أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ } ؛ أي يظهرُ الإسلامُ على جميعِ الأديان ، ولا يدخلُ الكفارُ المساجد إلا خائفين بعد أن كانوا لا يتركوا المسلمين أن يدخلوا مساجدهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت