قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (فَصَلِّ بالْقُرْآنِ) . والتَّهَجُّدُ هو التَّيَقُّظُ بَعْدَ النَّومِ ، ويقالُ: تَهَجَّدَ إذا نامَ ، وتَهَجَّدَ إذا استيقظَ ، والمعنى: أقِمِ الصلاةَ بالليلِ بعد التيقُّظِ من النومِ ، ويقال: الْمُتَهَجِّدُ القائمُ إلى الصلاةِ من النوم ، وقيل له: مُتَهَجِّدٌ لانتفاءِ التجدُّدِ عن نفسهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { نَافِلَةً لَّكَ } أي تطَوُّعًا ، وَقِيْلَ: فضيلةً لكَ لرفعِ الدرجات لا للكفَّارات ، فإنه عليه السلام قد غُفِرَ له من ذنبهِ ما تقدَّمَ وما تأخَّرَ ، وليست لنا بنافلةٍ ، لكَثرَةِ ذُنوبنا وإنما هي كفارةٌ لغيرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، هكذا قال مجاهدُ. وقد رُوي ما يدلُّ على أنَّها نافلةٌ لغيرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو ما روَى أبو أُمامة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قالَ:"الْوُضُوءُ يُكَفِّرُ مَا قَبْلَهُ ، وَتَصِيرُ الصَّلاَةُ نَافِلَةً"قِيلَ لَهُ: أنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ: نَعَمْ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ مَرَّتَيْنِ وَلاَ ثَلاَثٍ وَأرْبَعٍ وَلاَ خَمْسٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا } ؛ أي المقامَ الذي تُحْمَدُ عاقبتهُ ، وهو المقامُ الذي يُعطيهِ اللهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيه لواءُ الْحَمْدِ تجتمعُ تحته الملائكةُ والأنبياء ، فيكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم أوَّلَ شافعٍ وأوَّلَ مُشفَّعٍ ، قال ابنُ عبَّاس: (وَعَسَى مِنَ اللهِ وَاجِبَةٌ) . ويعني بقولهِ { مَقَامًا مَّحْمُودًا } أي يُعطِيكَ اللهُ يومَ القيامة مقامًا يحمدُكَ فيه الأوَّلون والآخِرون شرفٌ به على جميعِ الخلائق ، والمقامُ المحمود مقامُ الشَّفاعَةُ ، ومعنى { يَبْعَثَكَ } يُقِيمُكَ.