قَوْلُهُ تَعَالَى: { يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الأَرْضِ } ؛ أي يدبرُ اللهُ أمرَ الدنيا مدَّة أيامها ، فيُنْزِلُ القضاءَ والقدرَ من السَّماء إلى الأرضِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } ؛ قال ابنُ عباس: مَعْنَاهُ يَعُودُ إلَيْهِ الأَمْرُ وَالتَّدْبيرُ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الأُمَرَاءِ وَأحْكَامُ الْحُكَّامِ ، وَيَنْفَرِدُ اللهُ تَعَالَى بالأَمْرِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ألْفَ سَنَةٍ) يَعْنِي أنَّ يَوْمًا مِنْ أيَّامِ الآخِرَةِ مِثْلَ ألْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ مِنْ أيَّامِ الدُّنْيَا ، وَأرَادَ بهَذا الْيَوْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقِيْلَ: معناهُ: يقطع الملَكُ من المسافةِ نازلًا وصاعدًا في يومٍ واحد وهو مسيرةُ ألفِ عام مما يعدُّه أهل الدنيا بمسيرِهم ، وذلك أنَّ بين السماءِ والأرض مسيرةَ خمسمائة عامٍ لبني آدمَ ، وصعودهُ من الأرضِ إلى السماء كذلكَ ؛ والملَكُ يقطعهُ في يومٍ واحد. ولو أرادَ الله من الملَك الصعودَ والنُّزول بدون مقدارهِ (اليومَ) لفعلَهُ الملَك.
وأما قولهُ { تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [المعارج: 4] فإنْ كان أرادَ مدَّةَ المسافةِ من الأرض إلى سِدْرَةِ المنتهَى التي فيها مقامُ جبريل ، فالمعنى يسيرُ جبريلُ والملائكة الذين معه من أهلِ مقامه مسيرةَ خمسين ألفَ سنةٍ في يوم واحدٍ من أيامِ الدنيا ، فيكون معنى قوله تعالى: { إلَيْهِ } على هذا التأويلِ ؛ أي إلى مكان الملَك الذي أمرَهُ الله أن يعرجَ إليه ، وكقول إبراهيمَ عليه السلام: { إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي } [الصافات: 99] أي حيث أمرَنِي ربي بالذهاب إليه ، وهو الشَّام. وكذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ } [النساء: 100] أي إلى المدينةِ. ولم يكن اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بالمدينةِ ولا بالشام.
وعن أبي هريرةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أتَانِي مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلْ إلَى الأَرْضِ قَبْلَهَا قَطُّ برِسَالَةٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ رَفَعَ رجْلَهُ فَوَضَعَهَا فَوْقَ السَّمَاءِ وَالأُخْرَى فِي الأَرْضِ لَمْ يَرْفَعْهَا".