فهرس الكتاب

الصفحة 2933 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } ؛ قال مقاتلُ: (يَعْنِي الْقُرْآنَ) ، وقوله تعالى: { الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } يريد أُمَّة مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

ثم قسَّمَهم ورتَّبَهم فقالَ تعالى: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } ؛ وهو الذي ماتَ على كِبْرِه ولم يَتُبْ عنها ، { وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } ؛ وهو الذي لَمْ يُصِبْ كبيرةً ، { وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } ؛ يعني المقرَّبين الذين سبَقُوا إلى أعمالٍ ، وقال الحسنُ: (الظَّالِمُ: الَّذِي تَرَجَّحَ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ ، وَالْمُقْتَصِدُ: الَّذِي اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتُهُ ، وَالسَّابقُ: مَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ) .

وعن عُمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قالَ:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"سَابقُنا سَابقٌ"أي إلى الجنَّة أو إلى رحمةِ الله تعالى بالخيراتِ ؛ أي بالأعمال الصالحة ، { بِإِذُنِ اللَّهِ } ؛ أي بإرادةِ الله ، { ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } ؛ معناهُ: إيراثُهم الكتابَ هو الفضلُ الكبير ، وسُمي إعطاءُ الكتاب إيْرَاثًا لأنَّهم أُعْطُوهُ بغيرِ مسألةٍ ولا اكتساب."

وعن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُمْ قَالُواْ:"السَّابقُونَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بغَيْرِ حِسَابٍ ، وَالْمُقْتَصِدُونَ يُحَاسَبُونَ حِسَابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، وَالظَّالِمُونَ يُحَاسَبُو مَا شَاءَ اللهُ أنْ يُحَاسَبُواْ ، ثُمَّ يَرْحَمُهُمُ اللهُ تَعَالَى فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ، وَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْحَمْدُ للهِ الَّّذِي أذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ..."إلى آخرِ الآيتَين.

وعن الحسنِ أنه قالَ: (السَّابقُ الَّذِي تَرَكَ الدُّنْيَا ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي أخَذ الْحَلاَلَ ، وَالظَّالِمُ الَّذِي لاَ يُبَالِي مِنْ أيْنَ أخَذ) . ويقالُ: الظالِمُ صاحبُ الكبائرِ ، والمقتصدُ صاحبُ الصَّغائرِ ، والسَّابقُ الذي اتقى سيئاته.

فإنْ قيلَ ما الحكمةُ في تقديمِ الظالِم وتأخيرِ السابق ؟ قِيْلَ: الواوُ لا توجِبُ الترتيبَ كما قالَ تعالى { فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } [التغابن: 2] . وَقِيْلَ: قدَّمَ الظالِمَ لئَلاَّ ييأسَ من رحمتهِ ، وأخَّرَ السابقَ لئَلا يُعجَبَ بنفسهِ. وَقِيْلَ: قدَّمَ الظالِمَ فإذا لَم يكن له شيءٌ يتَّكِلُ عليه إلاَّ رحمةُ الله تعالى ، وثَنَّى بالمقتصدِ لِحُسنِ ظنِّهِ بربه. وَقِيْلَ: لأنه بين الخوفِ والرَّجاءِ ، وأخَّرَ السابقَ لأنه اتَّكَلَ على حسَناتهِ. وَقِيْلَ: لئلا يأمَنَ أحدٌ مَكْرَهُ ، وكلُّهم في الجنَّة بُحرَمِة كلمةِ الإخلاصِ.

وعن عُقبة بن صَهبان قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِهِ: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَأمَّا السَّابقُ فَمَنْ مَضَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَهِدَ لَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالْجَنَّةِ ، وَأمَّا الْمُقْتَصِدُ فَمَنْ تَبعَ أثَرَهُ مِنْ أصْحَابهِ حَتَّى لَحِقَ بهِ ، وَأمَّا الظَّالِمُ فَمِثْلِي وَمِثْلَكَ) . وقال سهلُ بن عبدِالله: (السَّابقُ الْعَالِمُ ، وَالْمُقْتَصِدُ الْمُتَعَلِّمُ ، وَالظَّالِمُ الْجَاهِلُ) .

وَقِيْلَ: السابقُ الذي اشتغلَ بمَعادهِ ، والمقتصدُ بمعَادهِ ومعاشهِ ، والظالِمُ الذي اشتغلَ بمعاشهِ عن معادهِ. وَقِيْلَ: الظالِمُ طالِبُ الدُّنيا ، والمقتصدُ طالبُُ العُقبَى ، والسابقُ طالب المولَى. وَقِيْلَ: الظالِمُ الْمُرائِي في جميعِ أفعالهِ ، والمقتصدُ المرائِي في بعضِ أفعالهِ دون بعضٍ ، والسابقُ المخلِصُ في أفعالهِ كلِّها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت