فهرس الكتاب

الصفحة 2509 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ } ؛ أي لو نَزَّلْنَا القُرْآنَ على رُجِلٍ أعجمِيٍّ لا يفصحُ ، { فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم } ؛ بغيرِ لُغة العرب ما آمَنُوا بهِ ، وقالوا: مَا نَفْقَهُ هَذا! فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } وفي هذا بيانُ معاندَتِهم. والأعْجَمُ والأَعْجَمِيُّ بمعنى واحدٍ ؛ وهو الَّي في لسانهِ عُجْمَةٌ ، ومنه العَجْمَاءُ ؛ وهي الدَّابةُ. فأما العَجَمِيُّ فهو منسوبٌ إلى العَجَمِ أفصَحَ أو لَم يُفْصِحْ.

وعن ابنِ مسعود: أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ وَهُوَ رَاكِبٌ نَاقَتَهُ ، فَأَشَارَ إلَى نَاقَتِهِ ، فَقَالَ: (هَذِهِ مِنَ الأَعْجَمِيْنَ) كأنه ذهبَ إلى أنَّ معنَى الآيةِ: أنه لو أنْزَلْنَا القُرْآنَ على البهائمِ فأنطَقْنَاها بهِ ، فقرأتْ عليهم ما آمَنُوا بهِ.

ثُم ذكرَ اللهُ سببَ تركِهم الإيْمانَ فقال: { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ } ، قال ابنُ عبَّاس: (مَعْنَاهُ: سَلَكْنَا الشِّرْكَ وَالتَّكْذِيْبَ فِي قُلُوب الْمُجْرِمِيْنَ إذا قَرَأهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدُ صلى الله عليه وسلم) . قال مقاتلُ: (يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ) ، أخبرَ اللهُ تعالى أنه أدخلَ الشِّركَ في قلوبهم ، فلم يُؤمِنُوا إلاَّ عندَ نزُولِ العذاب حتى لَم ينفَعْهُم ، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى: { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ } ؛ يعني عند الموتِ ، { فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } ؛ بهِ في الدُّنيا فيَتَمَنَّوا الرجعةَ والنَّظِرَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } ؛ فنُؤْمنُ ونصدِّقُ.

فلمَّا أوعَدَهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالعذاب قالوا: فَمَتَى العذابُ؟! تَكذِيبًا لهُ ، فقَالَ اللهُ تَعَالَى: { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ } ؛ معناهُ أفرأيتَ يا مُحَمَّدُ إنْ أمهَلْنا كفارَ مكَّة سنينَ ، يريدُ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ الدُّنيا إلى أن تنقضِي ، وَقِيْلَ: مدَّةَ أعمَارِهم ، { ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ } ؛ من العذاب ، { مَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } ؛ بهِ في تلك السِّنين.

والمعنى: وإنْ طَالَ تَمتُّعُهم بنعيمِ الدُّنيا ، فإذا أتَاهُم العذابُ لَم يُغْنِ طُولُ التمتُّعِ عنهم شيئًا ، يكون كأنَّهم لَم يكونوا في نَعِيْمٍ قَطْ ، وهذه موعظةٌ ما أبْلَغَهَا! يُحكى أنَّ عمرَ بن عبدالعزيز كان إذا قَعَدَ للقضاءِ كل يومٍ ابتدأ بهذه الآيةِ ، فَوَعَظَ بها نفسَهُ ، ثُم ذكرَ هذه الأبيات: تُسَرُّ بمَا يَفْنَى وَتَفْرَحُ بالْمُنَى كَمَا اغَتَرَّ باللَّذاتِ فِي النَّوْمِ حَالِمُحَيَاتُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدَى لَكَ لاَزِمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت