قوله عَزَّ وَجَلَّ: { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ؛ قال ابنُ عباس: (إنَّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيَّّةِ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَكْرَهُ امْرَأتَهُ وَيَكْرَهُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ ، فَيَحْلِفُ أنْ لاَ يَطَأَهَا أبَدًا وَلاَ يُخْلِي سَبيْلَهَا إضْرَارًا ؛ فَتَبْقَى مُعَلَّقَةً لاَ ذَاتَ زَوْجٍ وَلاَ مُطَلَّقَةُ ، حَتَّى يَمُوتَ أحَدُهُمَا. فََأَبْطَلَ اللهُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ ، وَجَعَلَ الأَجَلَ فِي هَذَا بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ إذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَفِئْ إلَيْهَا بَانَتْ بتَطْلِيْقَةٍ) .
وفي قراءةِ عبدالله: (لِلَّذِينَ آلَوْ مِنْ نِسَائِهِمْ) على لفظ الماضي ؛ والإيْلاَءُ: الْحَلْفُ ؛ يقال: آلَى يُؤلِي إيْلاَءً ؛ والاسمُ الألية ، قال الشاعرُ: عَلَيَّ اللهَ وَصِيَامَ شَهْر أُمْسِكُ طَائِعًا إلاَ يَكْفِيوجمعُ الأَلِيَّةِ الألاَيَا قال الشاعر: قَلِيْلُ الألاَيَا حَافِظٌ لِيَمِيْنِهِ إذَا نَذَرَتْ مِنْهُ الإلِيَّةُ بَرَّتِوالإيلاءُ في الشرع: هو الحلفُ على تركِ الجماع الذي يكسبُ الطلاق بمضيِّ المدةِ. ومعنى الآية: للذينَ يحلفون من نسائهم لا يقرَبوهُن أربعةَ أشهر. والترُّبصُ: التَّوَقُّفُ. وقال بعضهم: التَّرَبُّصُ: التَّصَبُّرُ.
قولهُ: { فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فإن رجعوا عما حَلَفُوا عليه ؛ فَقَرُبَ الرجلُ امرأتَه أو كان عاجزًا عن الوطءِ ففَاءَ بلسانهِ ، { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لذنب الإضرار بالامتناع عن الجماع ، { رَّحِيمٌ } بهم إذ رخَّص لهم القُربان بالكفارة. وفي قراءة ابنِ مسعود. (فَإِنْ فَاءُوا فِيْهِنَّ) .
واختلفَ العلماءُ فيما يكون مُوليًا على وجوه ؛ ما روي عن علي وابن عباس والحسن رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: (أنَّ الإيْلاَءَ هُوَ الامْتِنَاعُ مِنَ الْجِمَاعِ عَلَى جِهَةِ الْغَضَب ؛ وَالإصْرَارُ بتَأْكِيْدِ الْيَمِيْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ رَضِيْعٌ يَخْشَى أنْ يَقْرُبَ أُمَّهُ أنْ تَحْبَلَ فَيَضُرَّ ذَلِكَ بالْوَلَدِ ، فَحَلَفَ أنْ لاَ يَقْرَبَهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا) .
وقال النخعيُّ وابنُ سيرين والشعبيُّ: (هُوَ الْيَمِيْنُ عَلَى أنْ لاَ يُجَامِعَهَا ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْغَضَب أوْ فِي الرَِّضَا) . وبهذا القولِ قال علماؤُنا رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى حتى قال أبُو يوسف وأبو حنيفةَ ومحمدٌ: (كُلُّ يَمِيْنٍ فِي زَوْجَةٍ مُنِعَتْ جِمَاعَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ يَلْزَمُهُ تَعَيِيْنَ إيْلاَءٍ ؛ وَفِي أُخْرَى فَهُوَ إيْلاَءٌ) .
والقولُ الثالث: ما رُوي عن سعيدِ بنِ المسيَّب: (أنَّ الإيْلاَءَ هُوَ الْيَمِيْنُ فِي الْجِمَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الضَّرَر حَتَّى لَوْ حَلَفَ لاَ يُكَلِّمُهَا كَانَ مُولِيًا) .
والقولُ الرابع: قولُ عبدالله بنِ عمر: (أنَّهُ إذا هَجَرَهَا فَهُوَ إيْلاَءٌ) ، ولم يذكر الحلفَ.
والتَّرَبُّصُ: انتظارُ الشيء خيرًا أو شرًّا يَحِلُّ بكَ أو به ؛ ولذلك سُمي المحتكرُ متربصًا لانتظاره غلاءَ السِّعرِ ، قال الشاعرُ: تَرَبَّصْ بهَا رَيْبَ الْمَنُونِ لَعَلَّهَا تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيْلُهَا