قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ } ؛ يعني العقلَ والعلم والعملَ به ، والإصابةَ في الأمور. واتَّفقَ العلماءُ على أن لُقْمَانَ حكيمًا ، ولَم يكن نَبيًّا إلاّ عكرمةُ وحدَهُ فإنه قال: (كَانَ لُقْمَانُ نَبيًّا) ، وقال بعضُهم: خُيِّرَ لقمانُ بين النبوَّة والحكمةِ فاختارَ الحكمةَ!
وعن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ؛ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ:"حَقًّا أقُولُهُ: لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبيًّا ، وَلَكِنْ عَبْدًا صَمْصَامَةً ، كَثِيْرَ التَّفَكُّرِ ، حَسَنَ الْيَقِيْنِ ، أحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بالْحِكْمَةِ"ورويَ أنه كان تَتَلْمَذَ لألفِ نبيٍّ عليهم السَّلام.
واختَلفُوا في حِرفتهِ ، فقالَ الأكثرُون: كان نَجَّارًا ، ويقالُ: كان خيَّاطًا ، ويقالُ: كان راعيًا ، ويروى: كان عَبْدًا حَبَشِيًّا غليظَ الشَّفتين مشقوقَ الرِّجلين.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (مَرَّ رَجُلٌ بلُقْمَانَ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ وَهُوَ يَعِظُهُمْ ، فَقَالَ: ألَسْتَ الْعَبْدَ الأَسْوَدَ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟! قَالَ: بَلَى ، قَالَ: فَمَا بَلَغَ بكَ إلَى مَا أرَى ؟ قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيْثِ ؛ وَأدَاءُ الأَمَانَةِ ؛ وَتَرْكُ مَا لاَ يَعْنِيْنِي) .
وعن أنسٍ: (أنَّ لُقْمَانَ كَانَ عَبْدَ دَاوُدَ عليه السلام وَهُوَ يَسْرِدُ دِرْعًا ، فجَعَلَ لُقْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِمَّا يَرَى ، وَيُرِيْدُ أنْ يَسْأَلَهُ فَمَنَعَتْهُ حِكْمَتُهُ مِنَ السُّؤَالِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا ، جَعَلَهَا عَلَيْهِ وَقَالَ: نِعْمَ دِرْعُ الْحَرْب هَذَا وَنِعْمَ حَامِلُهُ ، فَقَالَ لُقْمَانُ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وَقَلِيْلٌ فَاعِلُهُ) .
وقال عكرمة: (كَانَ لُقْمَانُ مِنْ أهْوَنِ مَمَالِيْكِ سَيِّدِهِ ، فَبَعَثَ مَوْلاَهُ مَعَ عَبيْدٍ لَهُ إلَى بُسْتَانٍ لِمَوْلاَهُمْ يَأْتُونَهُ مِنْ ثَمَرِهِ ، فَجَاءُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ ، وَقَدْ أكَلُواْ الثَّمَرَةَ ، وَأحَالُواْ عَلَى لُقْمَانَ بذَلِكَ! فَقَالَ لُقْمَانُ لِمَوْلاَهُ: إنَّ ذَا الْوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللهِ أمِيْنًا ، فَاسْقِنِي وَإيَّاهُمْ مَاءً حَمِيْمًا ، فَسَقَاهُمْ فَجَعَلُواْ يَتَقَيَّؤُن الْفَاكِهَةَ ، وَجَعَلَ لُقْمَانُ يَتَقَيَّأُ مَاءً بَحْتًا ، فَعَرَفَ صِدْقَهُ وَكَذِبَهُمْ) .
قال: (وَأَوَّلُ مَا رُويَ مِنْ حِكْمَتِهِ أنَّهُ جَاءَ مَعَ مَوْلاَهُ فَدَخَلَ الْمَخْدَعَ ، فَأَطَالَ الْجُلُوسَ فِيْهِ ، فَنَادَاهُ لُقْمَانُ: إنَّ طُولَ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَاجَةِ يَتَجَمَّعُ مِنْهُ الْكَدَرُ ، وَيُورثُ الْبَاسُورَ ، وَتَصْعَدُ الْحَرَارَةُ إلَى الرَّأسِ ، فَاجْلُسْ هُوَيْنًا وَقُمْ هُوَيْنًا ، قَالَ: فَخَرَجَ وَكَتَبَ حِكْمَتَهُ عَلَى بَاب الْحَشِّ) .
ومعنى الآية { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ } عِلْمَ التوحيدِ والمواعظِ والفقهِ والعقل والإصابة في القولِ ، وألْهَمناهُ أن يشكرَ اللهَ على ما أعطاهُ من الحكمةِ.
ومعنى قولهِ: { أَنِ اشْكُرْ للَّهِ } ؛ أي قُلنا له: اشْكُرِ اللهَ فيما أعطاكَ من الحكمةِ ، { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } ؛ أي مَن يشكرُ نِعَمَ اللهِ فإنا منفعةَ شُكرهِ راجعةٌ إلى نفسهِ ، { وَمَن كَفَرَ } ؛ فلم يُوَحِّدْ ، { فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ } ؛ عن شُكرهِ ، { حَمِيدٌ } ؛ يحمَدهُ الشاكرُ ويثبته إلى شُكرهِ.