فهرس الكتاب

الصفحة 4073 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً } ؛ معناه: إنَّ القيامَ في ساعاتِ الليل أثقلُ وأشدُّ على القائمِ من القيامِ بالنَّهار ؛ لأن الليلَ إنما خُلِقَ للرَّاحة والسُّكون ، ففِعْلُ الطاعةِ فيه أشدُّ من فعلِها بالنهار ، وقال ابنُ مسعودٍ: (( إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ قِيَامُ اللَّيْلِ ) ). وقالت عائشةُ: (( النَّاشِئَةُ الْقِيَامُ بَعْدَ النَّوْمِ ) )، وعن ابنِ الأعرابيِّ: (( إذا نِمْتَ مِنْ أوَّلِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قُمْتَ فَتِلْكَ النَّاشِئَةُ ) )ومنه ناشئةُ اللَّيل.

وَقِيْلَ: نائشةُ الليل ساعاتُها كلُّها ، وكلُّ ساعةٍ منه فهي ناشئةٌ ، سُميت بذلك ؛ لأنَّها تُنشِئ ، ومنه نشأَتِ السَّحابةُ إذا بَدَتْ ، وجمعُها نَاشِئَاتٌ ، وعن حاتمِ بن أبي صغيرة قال: (( سَأَلْتُ ابْنَ أبي مُلَيْكَةَ عَنْ نَاشِئَةِ اللَّيْلِ فَقَالَ: عَلَى اللَّبيب سَقَطْتَ ، سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَزَعَمَ أنَّ اللَّيْلَ كُلَّهُ نَاشِئَةٌ ، وَسََأَلْتُ الزُّبَيْرَ عَنْهَا فَأَخْبَرَنِي مِثْلَ ذلِكَ ) ).

وقال ابنُ جبير: (( أيُّ سَاعَةٍ قَامَ مِنَ اللَّيْلَ فَقَدْ نَشَأَ ) )، وقال قتادةُ: (( مَا كَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَهُوَ نَاشِئَةٌ ) ). وقال عبيدُ بن عمير لعائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (( رَجُلٌ قَامَ مِنْ أوَّلِ اللَّيْلِ أيُقَالُ لَهُ نَاشِئَةٌ ؟ قَالَتْ: لاَ ؛ إنَّمَا النَّاشِئَةُ الْقِيَامُ بَعْدَ النَّوْمِ ) ). وقال ابنُ كَيسان: (( هِيَ الْقِيَامُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ) ). وعن ابنِ عبَّاس قال: (( إذا نَشَأَْتَ قَائِمًا فَهُوَ نَاشِئَةٌ ) )، وعن مجاهدٍ أنه قالَ: (( إذا قَامَ الإنْسَانُ اللَّيْلَ كُلَّهُ فَصَلَّى فَهُوَ نَاشِئَةٌ ، وَمَا كَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الأَخِيرَةِ فَهُوَ نَاشِئَةٌ ) ).

قَوْلُهُ تَعَالَى: { هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلًا } أي أثقلُ على المصلِّي من ساعاتِ النَّهار ، من قولِ العرب اشتدَّت على القومِ وَطْأَةُ السُّلطان ؛ إذا ثَقُلَ عليهم ما يلزَمُهم ، ومنه قولهُ صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمْ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ".

وقرأ أبو عمرٍو وابنُ عامر (وِطْئًا) بكسر الواو والمدِّ على معنى الْمُوَاطَأَةِ والموافقةِ ، ومنه قَوْلُهُ تَعَالَى: { لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ } [التوبة: 37] ، قال ابنُ عبَّاس: (( يُوَاطِئُ السَّمْعُ الْقَلْبَ ) )، والمعنى: أنَّ صلاةَ ناشئة الليلِ يُواطِئُ السمعُ والقلبُ فيها أكثرَ مما يُواطِئ في ساعاتِ النَّهار ؛ لأن الليلَ أفرغُ للانقطاعِ عن كُثْرِ ما يشغلُ بالنهار. ويقال: وَاطَأَتَ فُلانًا على كذا مُواطَأَةً ووَطْأَةً ؛ إذا وافقتَهُ عليه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَقْوَمُ قِيلًا } ؛ أي أبْيَنُ قَوْلًا بالقرآنِ ، وَقِيْلَ: أستَرُ استقامةً وأطرَبُ قراءةً ، وعبادةُ الليلِ أشدُّ نَشاطًا وألَدُّ إخلاصًا وأكثرُ بركةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت