قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } ، قال ابنُ عبَّاس: (نَزَلَتْ فِي عَمَّار بْنِ يَاسِرٍ ، وَأبِي جَهْلٍ) . ويقالُ: إنَّ المرادَ بالآية النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأبو جَهْلٍ. ومعنى الآيةِ على القولِ الأَوَّل: أوَمَنْ كَانَ كافرًا ، فهديناهُ إلى المغفرةِ والإسلامِ ، { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا } ؛ وهو نورُ القُرْآنِ والإيْمَانِ والحكمةِ ؛ { يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ } ؛ يضيءُ بذلك النور فيما بين النَّاسِ ؛ { كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ } ؛ أي كَمَثَلِ مَن هو في الضَّلاَلة وظُّلُمَاتِ الكفرِ ، { لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا } ؛ أبَدًا.
بيَّنَ اللهُ تعالى بهذه الآيةِ أنَّ أبا جَهْلٍ ليسَ بخارجٍ من الضَّلالة أبدًا. وقال بعضُهم: الْمِثْلُ زائدٌ ؛ تقديره: كَمَنْ في الظُّلُمَاتِ.
وعن ابنِ عبَّاس أيضًا: (أنَّ مَعْنَاهُ: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } يُرِيْدُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب { كَمَن مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا } أبَا جَهْلٍ ؛ رَمَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَحَمْزَةُ كَافِرٌ ، فَأُخْبرَ حَمْزَةُ بمَا فَعَلَ أبُو جَهْلٍ وَهُوَ رَاجِعٌ مِنْ قًنْصِهِ يَفُوتُ وَبيَدِهِ قَوْسٌ ، فَأَقْبَلَ وَهُوَ غَضْبانٌ حَتَّى عَلاَ أبَا جَهْلٍ بالْقَوْسِ وَهُوَ يَتَضَرَّعُ وَيَسْتَكِيْنُ وَيَقُولُ: أمَا تَرَى مَا جَاءَ بهِ مُحَمَّدًا ، قَدْ سَفَّهَ عُقُولَنَا وَسَبَّ آلِهَتَنَا وَخَالَفَ آبَاءَنَا. فَقَالَ حَمْزَةُ: وَمَنْ أسْفَهُ مِنْكُمْ؟! تَعْبُدُونَ الْحِجَارَةَ مِنْ دُونِ اللهِ ، أنَا أَشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ ؛ وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ؛ أي كما زُيِّنَ لأبي جَهْلٍ عملهُ الذي كان يعملُ ؛ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ أعمالُهم مجازاةً لَهم على كُفْرِهم. وقال الحسنُ: (مَا زَيَّنَهَا لَهُمْ إلاَّ الشَّيْطَانُ) .